.

اراء و اقلام الدستور – جوزف عون… بين الواقعية السياسية وتحديات الميدان

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – جوزف عون… بين الواقعية السياسية وتحديات الميدان


دستور نيوز

بقلم ديفيد عيسى
في لحظات الأزمات الكبرى، لا يتم اختبار البلدان فحسب، بل أيضا القادة المسؤولين عن إدارتها.
لم تكن الحرب الإسرائيلية على لبنان مجرد مواجهة عسكرية عابرة. بل شكّلت واحدة من أكثر محطات النزوح عنفاً وتدميراً وتدميراً في تاريخ البلاد الحديث، بما حملته من تداعيات سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية، وما طرحته من أسئلة عميقة حول مستقبل الدولة اللبنانية ودورها في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.
وفي خضم هذه العاصفة، وجد الرئيس جوزف عون نفسه أمام اختبار صعب للغاية.
فمن ناحية، كان مطلوباً منه الدفاع عن سيادة لبنان ورفض الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت أراضيه، ومن ناحية أخرى، كان مطلوباً منه الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي ومنع البلاد من الانزلاق إلى حرب شاملة قد تتجاوز قدرة الشعب اللبناني على الصمود.
منذ الأيام الأولى للأزمة، بدا واضحاً أن جوزف عون اختار مقاربة تعتمد على الواقعية السياسية أكثر من الخطاب التصعيدي.
وركز على دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وأهمية العمل الدبلوماسي في استقطاب الدعم العربي والدولي، مع التأكيد دائما على حق لبنان في الدفاع عن سيادته ورفض أي انتهاك لأراضيه.
ويمثل هذا الاختيار بالنسبة لمؤيديه قراءة دقيقة للواقع اللبناني.
فالبلاد التي كانت تعيش أزمة مالية خانقة وشللاً مؤسسياً عميقاً، لم يكن لديها ترف المغامرة أو القدرة على تحمل حرب مفتوحة.
لذلك، رأوا أن مسؤولية رئيس الجمهورية تقتضي حماية لبنان من الانهيار الكامل، وليس الانخراط في مزايدات سياسية قد تؤدي إلى نتائج كارثية.
في المقابل، ينظر منتقدو الرئيس، وفي مقدمتهم الثنائي الشيعي، إلى الموضوع من زاوية مختلفة.
ويرون أن حجم الاعتداءات الإسرائيلية وما رافقها من دمار وخسائر بشرية يتطلب مواقف أكثر حزما ووضوحا، وأن الاكتفاء بالدبلوماسية والرهان على المجتمع الدولي لم يكن كافيا لردع إسرائيل أو وقف انتهاكاتها المتكررة للسيادة اللبنانية.
لكن أي تقييم موضوعي لمواقف جوزف عون يبقى منقوصاً إذا تجاهل العامل الإيراني الذي شكّل أحد أبرز عناصر المشهد السياسي والعسكري خلال الحرب.
لسنوات عديدة، لم يعد الصراع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية شأناً لبنانياً بحتاً، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من الصراعات الإقليمية والدولية، حيث تتشابك حسابات إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية.
ومع وجود حزب الله كقوة سياسية وعسكرية كبرى مرتبطة بتحالف استراتيجي مع طهران، أصبح لبنان ساحة تتقاطع فيها المصالح المتناقضة التي تتجاوز حدوده الجغرافية.
من هنا، يمكن أن نفهم جانباً أساسياً من توجه جوزف عون، الذي بدا مقتنعاً بأن الاستمرار في ربط القرار اللبناني بصراعات المحاور يضعف الدولة ويحد من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة تخدم المصلحة الوطنية أولاً.
ولذلك ركز في خطاباته ومواقفه على إعادة الدولة إلى دورها السيادي، وعلى حصر القرارات المصيرية في مؤسساتها الشرعية.
وفي هذا السياق، لم يكن الحديث عن حصرية السلاح بيد الدولة مجرد موقف داخلي، بل جزء من رؤية أوسع تقوم على إخراج لبنان تدريجياً من دائرة الصراعات الإقليمية التي دفع ثمنها غالياً منذ عقود.
في المقابل، يرفض معارضو هذا الطرح تحميل إيران وحدها مسؤولية تعقيدات المشهد اللبناني، معتبرين أن التركيز على النفوذ الإيراني يتجاهل التهديد الإسرائيلي المستمر للبنان. كما يتجاهل حقيقة أن قطاعاً كبيراً من اللبنانيين ما زال يعتبر سلاح حزب الله عنصراً أساسياً في مواجهة إسرائيل وردعها.
وبين هذين التوجهين، وجد جوزف عون نفسه أمام معادلة معقدة جداً: كيف يمكن بناء دولة قوية وموحدة في ظل انقسام داخلي حول مفهوم السيادة نفسه؟ وكيف يمكن تحييد لبنان عن صراعات المنطقة في حين أن تلك الصراعات لا تزال تتدفق إلى لبنان من أكثر من اتجاه؟
وهنا تكمن أهمية التجربة التي يمر بها الرئيس.
فهو لم يقدم نفسه كزعيم لمحور سياسي أو امتداد لمشروع إقليمي، بل حاول تقديم نفسه كرئيس للدولة اللبنانية بكل مكوناتها السياسية.
وقد أكسبه هذا الاختيار تأييد الجماعات التي ترى في الدولة المظلة الوحيدة القادرة على حماية اللبنانيين. كما جلب له انتقادات من قوى تعتبر أن الظروف الإقليمية لا تسمح بمثل هذا الانفصال بين الداخل اللبناني والصراعات المحيطة به.
في النهاية، السؤال الحقيقي قد لا يكون ما إذا كان جوزيف عون أخطأ أو كان على حق في مواقفه خلال الحرب، بل ما إذا كانت الظروف اللبنانية والإقليمية تسمح بخيارات مختلفة أصلاً.
وتحرك الرئيس في مساحة ضيقة بين التهديد بالحرب الإسرائيلية، وتعقيدات الانقسام الداخلي، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، أبرزها الصراع الإيراني الإسرائيلي والتوتر المستمر بين طهران وواشنطن.
ولذلك فإن الحكم على تجربته لا ينبغي أن يرتكز على المواقف والخطابات وحدها، بل على النتائج التي ستظهر مع مرور الوقت.
إذا نجح لبنان في تعزيز مؤسساته واستعادة قراره الوطني وتقليل تأثير صراعات المحاور على واقعه الداخلي، فإن الواقعية السياسية التي يتبناها جوزف عون ستُعتبر رؤية بعيدة المدى.
لكن إذا ظل لبنان أسيراً للأزمات والانقسامات ذاتها، فإن الجدل سيبقى قائماً حول ما إذا كانت الواقعية وحدها كافية لمواجهة تحديات بهذا الحجم.
وفي انتظار ظهور نتائج هذه المرحلة المضطربة، يبقى المؤكد أن جوزف عون يعيش إحدى أصعب التجارب الرئاسية في تاريخ لبنان الحديث.
ولا يقتصر التحدي الذي يواجهه على إدارة تداعيات حرب مدمرة، بل يمتد إلى محاولة استعادة مكانة الدولة في بلد مزقته الانقسامات الداخلية وصراعات المحاور الإقليمية.
في هذه المرحلة بالذات، لن يكون الحكم على تجربته مرتبطاً بما قاله خلال الحرب، بل بما إذا كان سينجح في تحويل الواقعية السياسية إلى مشروع دولة قادر على الصمود والاستمرار.
ديفيد عيسى

#جوزف #عون.. #بين #الواقعية #السياسية #وتحديات #الميدان

جوزف عون… بين الواقعية السياسية وتحديات الميدان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – جوزف عون… بين الواقعية السياسية وتحديات الميدان

المصدر : www.elsharkonline.com

.