.

اراء و اقلام الدستور – كيف بدأت سورية باستعادة مكانتها على الرادار الاقتصادي الإقليمي؟

سامر الشخشيرمنذ 45 دقيقة
اراء و اقلام الدستور – كيف بدأت سورية باستعادة مكانتها على الرادار الاقتصادي الإقليمي؟


دستور نيوز

أسامة أبو زيد

في عالم الاستثمار، لا ينتظر رأس المال دائمًا حتى تكتمل الصورة.

لا تبدأ الأسواق الكبرى باستعداد كامل، بل إنها تبدأ عادة في اللحظة التي يقرر فيها المستثمرون أن “اتجاه السوق” أصبح أكثر أهمية من حجم المخاطر التي تنطوي عليها. ولهذا السبب على وجه التحديد، كثيرا ما تدخل الاستثمارات إلى الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية قبل اكتمال الاستقرار النهائي، وليس بعده.

وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، لا يتحرك رأس المال وفقا للحسابات التقليدية فحسب، بل أيضا وفقا لقراءة أوسع للتحولات الجارية في الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة. واليوم، تشهد المنطقة بأكملها إعادة هيكلة للتجارة والطاقة والنقل وسلاسل التوريد، ضمن خريطة اقتصادية جديدة بدأت تتشكل تدريجياً في السنوات الأخيرة.

وفي مثل هذه التحولات لم تعد الجغرافيا مجرد حدود سياسية.. بل تتحول إلى قيمة اقتصادية في حد ذاتها. وهنا على وجه التحديد، بدأت سوريا تعود تدريجياً إلى مجال المصالح الاقتصادية الإقليمية.

وبعد سنوات طويلة ارتبط فيها السوق السوري بالعقوبات والانكماش والعزلة الاقتصادية، بدأت ملامح مختلفة تظهر على مستوى الخطاب الاقتصادي وحركة القطاع الخاص، وطبيعة المناقشات الإقليمية والدولية المتعلقة بمستقبل الاقتصاد السوري.

ولعل الملفت للنظر أن هذا التحول لا تقوده السياسة وحدها، بل تقوده أيضاً قراءة اقتصادية متزايدة ترى أن سورية، رغم تعقيداتها، تمتلك أحد أكبر الاقتصادات القادرة على إعادة تشكيلها في المنطقة في السنوات المقبلة.

ولا يمثل السوق السوري ملف إعادة إعمار تقليديا فحسب، بل يمثل اقتصادا كاملا يعاد تنظيمه تدريجيا: بنية تحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل، وقطاعات إنتاجية قابلة للنمو، وطلب مرتفع على الخدمات والطاقة والتكنولوجيا، إضافة إلى موقع جغرافي يجعل من سوريا نقطة اتصال طبيعية بين الخليج وتركيا وشرق المتوسط.

في الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية، يبحث رأس المال غالبا عن ثلاثة عناصر رئيسية:

حجم الحاجة الاقتصادية والموقع الجغرافي والتوجه الاقتصادي للدولة.

وفي الحالة السورية، تبدو هذه العناصر الثلاثة حاضرة بدرجات متفاوتة.

ومن حيث الحجم، تتمتع سوريا بأحد أكبر الطلب المحتمل في المنطقة على مشاريع الطاقة والكهرباء والخدمات اللوجستية والاتصالات والتطوير العقاري والتصنيع والخدمات الرقمية.

وفي قطاع الطاقة على وجه التحديد، لا تتعلق الفرصة بإعادة تشغيل البنية التحتية التقليدية فحسب، بل بإعادة بناء نظام تشغيلي كامل يشمل التوليد والنقل والطاقة البديلة والخدمات الفنية ذات الصلة. وهي قطاعات ترتبط عادة باستثمارات طويلة الأجل وشراكات استراتيجية ذات تأثير إقليمي.

أما قطاع التكنولوجيا فالأمر لا يتعلق فقط بالبنية التقنية، بل بوجود قاعدة بشرية سورية واسعة تمتلك خبرات متقدمة ضمن الأسواق الإقليمية والعالمية، ما يمنح سورية فرصة حقيقية لبناء قطاع خدمات رقمية قادر على النمو السريع عندما تتوفر البيئة التنظيمية المناسبة.

كما أن الموقع الجغرافي لسورية يمنحها أهمية تتجاوز حدود السوق المحلية نفسها. ومع التحولات المستمرة في طرق التجارة والطاقة والنقل داخل الشرق الأوسط، تعود الجغرافيا الاقتصادية السورية تدريجياً إلى الواجهة، خاصة فيما يتعلق بالربط اللوجستي والممرات التجارية والأسواق الإقليمية وسلاسل التوريد.

فالاقتصادات تستعيد أهميتها ليس فقط بما تنتجه… بل بالمكانة التي تحتلها داخل الحركة الإقليمية.

لكن ما يدفع المستثمرين إلى مراقبة السوق السورية اليوم ليس فقط حجم الفرص، بل أيضاً العلامات المتزايدة لتحول اقتصادي أوسع بدأ يتشكل تدريجياً.

وخلال الفترة الأخيرة، اتسعت مساحة الحديث عن الشراكات الاقتصادية وتعزيز دور القطاع الخاص وتحسين البيئة الاستثمارية، إضافة إلى تزايد حضور المؤسسات الدولية في المناقشات المتعلقة بالانتعاش الاقتصادي وتنشيط الأسواق.

وفي عالم الاستثمار، غالباً ما تكون الإشارات الأولى أكثر أهمية من اكتمال المشهد نفسه.

لا ينتظر المستثمرون الكبار اللحظة التي يصبح فيها السوق مستقراً تماماً، لأن تلك اللحظة عادة ما تكون هي اللحظة التي تصبح فيها تكلفة الدخول أعلى، والفرص النوعية أقل.

ولذلك، فإن الاقتصادات التي تمر بعملية إعادة هيكلة كبرى تجتذب عادة نوعين من المستثمرين:

المستثمرون ينتظرون الاستقرار الكامل ويدخل آخرون مبكرًا اعتمادًا على قراءة الاتجاه طويل المدى.

ويبدو أن سوريا بدأت تدريجياً بالانتقال من «السوق المعزولة» إلى «السوق الجديرة بالمراقبة».

إلا أن نجاح هذا التحول سيظل مرتبطا بعامل حاسم وهو قدرة البيئة القانونية والمؤسسية على مواكبة الحركة الاقتصادية الجارية.

فالمستثمر، بغض النظر عن مدى استعداده لخوض المخاطر، يحتاج في نهاية المطاف إلى بيئة مفهومة، وقواعد واضحة، ومؤسسات قادرة على إنتاج الحد الأدنى من الاستقرار والقدرة على التنبؤ.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط في جذب الاهتمام إلى السوق السورية، بل في تحويل هذا الاهتمام إلى استثمارات فعلية طويلة الأمد.

وهنا بالتحديد تصبح الإدارة الاقتصادية عنصرا محوريا. وكلما زادت قدرة المؤسسات على توحيد الإجراءات، ورفع مستوى الشفافية، والحد من التباين في التطبيق، كلما زادت قدرة السوق على الانتقال من مرحلة “الفرصة المحتملة” إلى مرحلة “بيئة الاستثمار القابلة للحياة”.

وفي هذا السياق، تبدو المرحلة الحالية التي تمر بها سورية أكثر من مجرد مرحلة تعافي اقتصادي تقليدي؛ إنها مرحلة إعادة تموضع اقتصادي كامل داخل المنطقة التي تعيد أيضًا رسم خرائط التجارة والطاقة والاستثمار.

وفي نهاية المطاف، لا تدخل الأسواق الجديدة على الخريطة الاستثمارية بسبب غياب المخاطر، بل بسبب وجود قناعة متزايدة بأن الاتجاه العام للاقتصاد هو نحو التوسع والاستقرار.

وفي هذا التحول بالذات تحاول سورية الانتقال من اقتصاد خارج الحركة الإقليمية.. إلى اقتصاد يسعى إلى استعادة مكانته الطبيعية داخلها.

#كيف #بدأت #سورية #باستعادة #مكانتها #على #الرادار #الاقتصادي #الإقليمي

كيف بدأت سورية باستعادة مكانتها على الرادار الاقتصادي الإقليمي؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – كيف بدأت سورية باستعادة مكانتها على الرادار الاقتصادي الإقليمي؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.