دستور نيوز
بقلم جوزفين ديب
“أساس ميديا”
ولم يعد الخلاف القائم بين الدولة اللبنانية وإيران مجرد اختلاف في المواقف حول الحرب أو حول سلاح حزب الله. ما ظهر في الأيام الأخيرة، من خلال السجال العلني غير المسبوق بين رئيس الجمهورية جوزف عون ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يكشف عن انتقال العلاقة إلى مرحلة مختلفة، عنوانها الصراع على تعريف لبنان نفسه: هل هو دولة تسعى إلى استعادة قرارها السيادي، أم ساحة مرتبطة بتوازنات إقليمية أكبر منها؟
وخطورة هذا الصدام لا تكمن في شدة الخطاب فحسب، بل في توقيته. فالمنطقة تدخل مرحلة إعادة هيكلة ضخمة لم تعد تشبه ما قبلها. لقد دمرت غزة، وتواجه الضفة الغربية ضغوطا غير مسبوقة، ودخلت سوريا مرحلة جديدة تسمى التعامل الدولي مع الدولة المركزية وليس مع كيانات عسكرية موازية، وبدأ العراق يشهد عملية تدريجية لحصر السلاح في يد الدولة. أما لبنان فهو لا يزال يقف على مفترق طرق حاسم، فيما تستمر الحرب الإسرائيلية وتتصاعد الضغوط الأميركية.
لذلك فإن هذه الرسائل المتبادلة بين بعبدا وطهران تعبر عن صدام سياسي قد يتحول إلى أحد أخطر الاختبارات التي يواجهها لبنان منذ اتفاق الطائف.
عون يرفع السقف.. وطهران ترد مباشرة
للمرة الأولى منذ سنوات يصل رئيس لبناني إلى هذا المستوى من الوضوح في التعامل مع الدور الإيراني. ولم يكتف جوزف عون بالتأكيد على أن حل مشكلة سلاح «حزب الله» يجب أن يتم من خلال الدولة اللبنانية، بل اتهم إيران عملياً بالتعامل مع لبنان كورقة تفاوض في حوارها مع الولايات المتحدة.
أهم ما في كلامه لم يكن فقط وصفه للدور الإيراني، بل قوله إن اللبنانيين «سئموا» الحروب المتكررة، وأن مسؤوليته هي تجاه الشعب اللبناني وليس تجاه أي طرف آخر. وهنا بالضبط تكمن الرسالة السياسية الأساسية: محاولة نقل النقاش من منطق المتحاور إلى منطق الدولة.
وجاء رد عراقجي سريعا وعنيفا، مخاطبا رئيس الجمهورية بشكل مباشر، معتبرا أن العدو الحقيقي للبنان هو إسرائيل، وليس إيران. ظاهرياً، يبدو الرد دفاعاً سياسياً تقليدياً، لكن مضمونه يعكس انزعاجاً إيرانياً من تحول جزء من الخطاب اللبناني الرسمي إلى تحميل طهران المسؤولية المباشرة عن استمرار الأزمة والحرب.
وفي العمق، لا يدور الخلاف حول توصيف إسرائيل أو إيران، بل حول من يملك الحق في تقرير مستقبل لبنان. وتحاول الدولة اللبنانية ترسيخ نفسها كسلطة وحيدة للقرارات، فيما لا تزال طهران تنظر إلى الملف اللبناني من خلال علاقتها بـ«الحزب» أكثر من مؤسسات الدولة.
نواف سلام ويحاول القفز فوق الانفجار
وسط هذا الصدام، يبرز دور رئيس الحكومة نواف سلام، فهو من يتابع عن كثب طبيعة المرحلة المقبلة واحتياجاتها.
ووجه سلام في خطابه الأخير انتقادات مباشرة لإيران، معتبراً أن الجنوب لا ينبغي أن يبقى ورقة لتحسين شروط التفاوض. لكن أهمية موقفه لا تكمن في تجاوزه سياسة المحاور والاصطفافات كأي حزب سياسي، بل في تعامله مع العناوين السياسية المتفجرة من منطلق «الدولة التي تشمل كل أبنائها». لقد بدأ مساراً سياسياً منذ أشهر بالدعوة مراراً وتكراراً إلى إعادة البناء «معاً»، في إشارة واضحة إلى ضرورة إشراك بيئة «الحزب» الحاضنة في أي مشروع إنقاذ وطني.
كان سلام يدرك مبكراً أن لبنان مقبل على لحظة صعبة تضع الدولة والحزب وإيران والولايات المتحدة أمام مواجهة سياسية مفتوحة. لذلك، حاول بناء خطاب يستبق الانقسام الحاد من خلال التأكيد على أن أي انتقال نحو الدولة يجب ألا يتحول إلى مشروع إقصاء أو انقسام داخلي، ومن خلال التأكيد على أن الجنوب وشعبه ليسوا أعداء للدولة، وأن إعادة بناء الدولة لا تعني استهداف فئة لبنانية معينة. ويبدو هذا النهج أكثر إلحاحا اليوم من أي وقت مضى، لأن البديل عنه سيكون نقل الصراع السياسي إلى المجتمع اللبناني نفسه.
لبنان يواجه وواشنطن تتفاوض
المفارقة أن هذا التصعيد اللبناني الإيراني يتزامن مع استمرار قنوات الاتصال «الإيجابية» بين واشنطن وطهران. فيما أعلنت واشنطن أنها تتواصل مع «الحزب» بشكل غير مباشر، تزامناً مع حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب مراراً عن فرص إيجابية في العلاقة مع طهران. وبالتالي، وبينما لا تزال القوى الكبرى تتفاوض، بدأت المواجهة السياسية في لبنان، مع ما قد يرافقها من توتر داخل الساحة اللبنانية.
أما إسرائيل، بحسب وصف الأروقة الدبلوماسية لحركتها، فهي لا تعتبر أنها حققت أهدافها كاملة في لبنان بعد. ما تريده يتجاوز الشريط الحدودي ليشمل واقعاً أمنياً جديداً يمتد إلى مناطق شمال نهر الأولي عند مدخل صيدا. ولذلك فإن استمرار الانقسام اللبناني حول مستقبل السلاح والدولة سيعطيه مبررات إضافية لمواصلة الضغوط العسكرية والسياسية.
مسؤولية الدولة والحزب معاً
المرحلة الحالية لا تشبه المراحل السابقة. وفي العراق، بدأت الفصائل بمراجعة حساباتها تحت ضغط التحولات الإقليمية. وفي سوريا، تحرك المجتمع الدولي للتعامل مع الدولة المركزية باعتبارها العنوان الوحيد. أما لبنان فلا يزال عالقاً بين مشروع الدولة ومنطق الساحات.
وسط هذا المشهد الإقليمي، يبدو الصدام بين جوزف عون وإيران بمثابة معركة لتحديد مكان لبنان في الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل أمام أعين الجميع.
ولذلك فالمسؤولية هنا تاريخية على كافة الأطراف. لأن استمرار المواجهة بين الدولة وإيران، من دون إنتاج تسوية لبنانية داخلية متماسكة، لن يؤدي فقط إلى تعميق الانقسام الداخلي، بل قد يفتح الباب أيضاً أمام مرحلة يفقد فيها لبنان تدريجياً الصورة التي عرفها اللبنانيون منذ عقود. وفي منطقة لا ترحم الضعفاء أو المتأخرين عن التحولات الكبرى، قد تكون كلفة الانتظار أعلى بكثير من كلفة قرار تقديم التنازلات لصالح بقاء لبنان الكبير الذي نعرفه.
جوزفين ديب
#انفجر #بين #بعبدا #وطهران #المواجهة #السياسية #الأخطر #منذ #الطائف
انفجر بين بعبدا وطهران: المواجهة السياسية الأخطر منذ الطائف
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – انفجر بين بعبدا وطهران: المواجهة السياسية الأخطر منذ الطائف
المصدر : www.elsharkonline.com
