دستور نيوز
بقلم الدكتور ابراهيم العرب
يشكل اتفاق وقف إطلاق النار الجديد في لبنان معلماً سياسياً وأمنياً محورياً يتجاوز البعد الميداني المباشر، لأنه يطرح من جديد تساؤلات الدولة والسيادة واحتكار القرار الأمني والعسكري. ولا يقتصر الاتفاق المقترح على وقف العمليات العسكرية، بل يؤسس لمرحلة تجريبية جديدة من المفترض أن تقيس قدرة المؤسسات الشرعية اللبنانية على استعادة وظائفها الأساسية، وأهمها فرض سلطة الدولة الحصرية على أراضيها.
وتأتي هذه التطورات في لحظة لبنانية حساسة للغاية، حيث تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والانقسامات السياسية الداخلية. ومن هنا، فإن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في خفض التصعيد، بل في أنه قد يشكل مدخلاً لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة خارج مؤسساتها، وبين القرار الوطني والعلاقات الإقليمية.
لقد عكست المواقف الرسمية اللبنانية وعياً واضحاً بحجم المخاطر التي تواجه البلاد. تمسك رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بخيار التفاوض والمسار الدبلوماسي كأداة لحماية المصلحة الوطنية، مؤكدا أن المفاوضات كانت معقدة وشهدت مراحل صعبة قبل أن تستأنف بوساطة أميركية، معتبرا أن الاتفاق المقترح قد يشكل فرصة أخيرة لتجنب المزيد من التصعيد والانزلاق نحو المواجهة المفتوحة.
وتكتسب تصريحات رئيس الجمهورية أهمية إضافية لأنها كشفت عن جزء من الرؤية التنفيذية المقترحة، من خلال اعتماد ما أصبح يعرف بـ”المناطق التجريبية”، حيث اقترح لبنان أن تشمل المرحلة الأولى مناطق زوطر الغربية، زوطر الشرقية، وقلعة البوفورت. ويقوم هذا التوجه على نقل هذه المناطق إلى سيطرة الجيش اللبناني حصراً، بعد انسحاب إسرائيل منها وإخلائها من السلاح والمقاتلين غير الحكوميين، ما يجعلها نموذجاً أولياً لقياس إمكانية تنفيذ ترتيبات أمنية أوسع في مراحل لاحقة.
أما رئيس الحكومة القاضي نواف سلام، فركز توجهه على أولوية حماية الاستقرار الداخلي ومنع استمرار الحرب، انطلاقاً من أن أي مواجهة طويلة الأمد ستنعكس بشكل مباشر على الاقتصاد والأمن الاجتماعي ومستقبل الدولة. ويعبر هذا الاتجاه عن إدراك متزايد بأن الأمن لم يعد قضية منفصلة عن الاقتصاد أو العلاقات الخارجية، بل أصبح شرطا لبقاء الدولة نفسها.
في السياق نفسه، اتسم موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، بقدر من الاعتدال السياسي، من خلال التركيز على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار وتوفير الظروف التي تحول دون العودة إلى التصعيد، مما يفتح المجال أمام مقاربة أكثر واقعية لإدارة الأزمة، بعيداً عن منطق الهيمنة أو الحسابات الآنية.
في المقابل، أعاد رفض حزب الله للاتفاق طرح المعضلة البنيوية التي ترافق النظام اللبناني منذ عقود، والمتمثلة في ازدواجية القرارين الأمني والعسكري. ولم تعد المشكلة مرتبطة فقط بالموقف من اتفاق معين، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أكثر جوهرية: من له الحق في اتخاذ القرارات الحاسمة المتعلقة بالحرب والسلام؟
ويزداد هذا السؤال أهمية في ظل الطروحات التي تربط تطبيق وقف إطلاق النار الكامل بمجموعة شروط أمنية واضحة، أبرزها الوقف الكامل لإطلاق النار، وإخراج عناصر حزب الله من جنوب الليطاني، ونقل السيطرة الأمنية في المناطق المشمولة بالتنفيذ إلى الجيش اللبناني حصراً، مع استبعاد كافة الجهات المسلحة غير الحكومية. وهذا يعني أن الجدل الدائر لم يعد يقتصر على الترتيبات العسكرية الظرفية، بل يتطرق إلى شكل النظام الأمني والسيادي الذي سيتشكل في جنوب لبنان مستقبلا.
وفي هذا السياق، يبرز الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة المحورية في آلية التنفيذ المقترحة. ولا تلعب المؤسسة العسكرية هنا دوراً فنياً أو إدارياً فحسب، بل تتحمل مسؤولية وطنية وسياسية مزدوجة، وهي ترجمة مفهوم حصرية السلطة الشرعية على الأرض. ولذلك فإن أي حديث جدي عن نجاح الاتفاق يبقى مرتبطاً بقدرة الجيش على الانتشار والسيطرة والاستمرار، وبمدى توفر الدعم السياسي والمالي واللوجستي اللازم له.
ومن هنا يصبح دعم الجيش اللبناني ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار سياسي. إن حصر السلاح في يد الدولة لا يتحقق عبر الشعارات والنصوص وحدها، بل عبر مؤسسات قادرة على تطبيق القانون وحماية الحدود وضبط الأمن الداخلي. إن فرض مسؤوليات إضافية على المؤسسة العسكرية دون توفير مقومات النجاح يحمل في طياته مخاطر كبيرة على الاستقرار الوطني نفسه.
وبالتوازي مع البعد الأمني، يبرز الدور الدبلوماسي العربي، وخاصة الدور السعودي، كعنصر مساعد في خلق المناخ السياسي اللازم لتحقيق التهدئة. إن المملكة العربية السعودية، ومن خلال تعاملها مع الملف اللبناني، أعادت التأكيد على أولوية استقرار لبنان، ودعم مؤسساته الشرعية، ومنعه من التحول إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة لأنه يربط الاستقرار اللبناني بعمقه العربي، ويؤكد من جديد أن استعادة التوازن الداخلي تمر أيضاً من خلال إعادة بناء الثقة مع البيئة العربية.
اقتصادياً واجتماعياً، لا يقل الاتفاق أهمية عن أبعاده السياسية. لبنان الذي يواجه إحدى أزماته الاقتصادية الأكثر تعقيداً، لا يملك القدرة على الصمود في وجه حرب طويلة أو حالة إرهاق متواصلة. ويشكل الاستقرار الأمني شرطاً أساسياً لإعادة الإعمار وعودة النازحين واستعادة النشاط الاقتصادي وجذب الاستثمارات وإعادة تفعيل المؤسسات العامة والخاصة.
لكن نجاح الاتفاق لن يقاس فقط بمدى تراجع العمليات العسكرية، بل بمدى قدرته على التحول من الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى مسار سياسي مستدام. لقد أظهرت التجربة اللبنانية مراراً وتكراراً أن الهدنات التي لا تدعمها إصلاحات بنيوية تبقى هشة وعرضة للانهيار عند أول اختبار.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وقف إطلاق النار بحد ذاته، بل في استثمار هذه المرحلة في إعادة بناء مفهوم الدولة. الدولة الحديثة لا تقوم على تعدد مراكز القرار، ولا على ازدواجية السلطة الأمنية، بل على وحدة المرجعية السياسية والعسكرية والدستورية.
وإذا كانت التفاهمات الحالية قد فتحت نافذة لخفض التصعيد وإطلاق مرحلة تجريبية جديدة، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل لبنان يبقى واضحاً: هل تستطيع الدولة تحويل هذه اللحظة إلى بداية استعادة فعلية لسيادتها، أم تتحول المناطق التجريبية إلى مجرد محطة إضافية في إدارة أزمة مزمنة؟
الجواب على هذا السؤال لن تحدده التصريحات السياسية وحدها، بل قدرة الدولة على تحويل السيادة من شعار سياسي إلى ممارسة مؤسسية يومية، يكون الجيش اللبناني في قلبها، والمصلحة الوطنية إطار حكمها.
د. ابراهيم العرب
#لبنان #بين #فرصة #اتفاق #وقف #إطلاق #النار #والإكراه #بالسلاح
لبنان بين فرصة اتفاق وقف إطلاق النار والإكراه بالسلاح
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – لبنان بين فرصة اتفاق وقف إطلاق النار والإكراه بالسلاح
المصدر : www.elsharkonline.com
