دستور نيوز
بقلم أيمن الجزيني
“أساس ميديا”
قد يكون من السهل على البعض قراءة نداء صور والنبطية على أنه احتجاج على «الحزب» أو اعتراض على أداء المقاومة في الحرب الأخيرة. وقد يكون من السهل أيضاً إدخالها في السجالات اللبنانية التقليدية بين مؤيد ومعارض، أو بين دعاة الدولة ومؤيدي السلاح، أو بين معارضي إيران وحلفائها. لكن هذه القراءة، رغم شرعيتها السياسية، تظل أقل من حجم الحدث نفسه.
الدعوة التي جاءت من قلب الجنوب تكتسب أهميتها ليس فقط من مضمونها المباشر، بل أيضاً من الجهة التي صدرت منها. وذلك لأن أخطر التحولات السياسية ليست تلك التي تأتي من المعارضين، بل تلك التي تبدأ داخل البيئات التي خلقت الظاهرة نفسها وأعطتها مشروعيتها التاريخية. من هذه الزاوية، تبدو جاذبية صور والنبطية حدثاً يتجاوز السياسة اليومية إلى شيء أعمق: بداية مراجعة داخل البيئة الشيعية اللبنانية لعلاقة مجتمع بأكمله بفكرة «المقاومة» المسلحة التي شكلت جزءاً أساسياً من هويته على مدى العقود الأربعة الماضية.
ولعل القيمة الحقيقية لجاذبية صور والنبطية تكمن هنا على وجه الخصوص: فقد يكون النص السياسي الأول الذي يعلن أن الجنوب الذي خلق «مقاومة» كبرى، بدأ يبحث عن شيء أكبر من «المقاومة» نفسها. بدأ بالبحث عن وطن ودولة.
الدعوة كحدث في الوعي وليس في السياسة
منذ الثمانينيات، لم تكن “المقاومة” مجرد تنظيم أو سلاح أو استراتيجية عسكرية. لقد كان مشروعاً اجتماعياً وثقافياً وأخلاقياً متكاملاً. وتم بناء سرد جماعي للكرامة والعدالة والتحرر حولها. ولذلك فإن أي مراجعة له لا تعني بالضرورة التراجع عن الماضي، بل قد تكون تعبيراً عن سؤال جديد يفرض نفسه على فئة دفعت أثماناً باهظة في الحرب والسلام.
إن الطوائف والجماعات لا تغير قناعاتها الكبرى دفعة واحدة، بل عبر مسارات طويلة من الخبرة والخسارة وإعادة النظر. خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بنى شيعة لبنان، الذين عاشوا عقودا من التهميش والاحتلال والحروب، هوية سياسية تمحورت حول فكرة المقاومة.
لكن المجتمعات لا تبقى ثابتة. والجنوب الذي احتضن المقاومة هو نفسه الذي تغير. ودخل آلاف الطلاب الجامعات. وهاجر عشرات الآلاف إلى أفريقيا والخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية. وظهرت طبقة وسطى جديدة. توسعت المدن. لقد تغيرت أنماط الحياة. ونشأ جيل لم يعش الاحتلال الإسرائيلي كما عاشه آباؤه، بل عاش الانهيار الاقتصادي والهجرة والخوف من المستقبل. وبمرور الوقت، بدأت الأولويات تتغير تدريجيا. ولم يعد السؤال الأساسي: كيف نقاوم؟ ولكن كيف نعيش؟ كيف نبقى؟ كيف نحمي ما تبقى من مجتمعنا وأرضنا وأطفالنا؟
من جيل التحرير إلى جيل البقاء
وليس من قبيل الصدفة أن يأتي النداء في وقت يشعر فيه الكثير من الناس في الجنوب أن الخطر لم يعد يهدد الحدود فقط، بل يهدد المجتمع نفسه. القرى التي كانت تخشى الاحتلال تخشى الآن الفراغ. فالأسر التي كانت تخشى النزوح المؤقت تخشى الآن الهجرة الدائمة. المدن التي كانت تنتظر التحرير، تنتظر الآن فرص العمل والكهرباء والاستقرار.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. إن الثقافة التي قامت لحماية المجتمع من الخطر الخارجي تجد نفسها اليوم أمام سؤال يطرحه المجتمع نفسه: ماذا لو أصبحت تكلفة مواصلة الحرب أكبر من قدرة الجماعة على تحملها؟
هذه ليست أسئلة أيديولوجية ولا دعوات للاستسلام، بل هي تعبير عن تحول اجتماعي عميق. إن كل جماعة بشرية تصل، في مرحلة معينة، إلى إعادة تحديد اهتماماتها وأولوياتها. وما بدا بديهياً في زمن الاحتلال قد لا يظل كذلك في زمن الانهيار الاقتصادي والنزيف الديمغرافي والهجرة الجماعية.
لذلك يمكن النظر إلى جاذبية صور والنبطية كأول تعبير شعبي كبير عن انتقال قسم من البيئة الشيعية من ثقافة التحرر إلى ثقافة البقاء.
نهاية قدسية الحرب وبداية سؤال الحياة
ولا يمكن لأي جماعة بشرية أن تعيش إلى الأبد ضمن منطق التعبئة الدائمة. قد تنتج الحرب بطولات، لكنها لا تنتج مجتمعا مستقرا. المقاومة قد تحرر الأرض، لكنها وحدها لا تستطيع بناء دولة أو اقتصاد أو مستقبل.
ومن هنا، فإن أهمية الدعوة تتجاوز مسألة الحرب الحالية، إذ تكشف عن شرخ تدريجي في إحدى البديهيات الأكثر رسوخا في الحياة السياسية اللبنانية: الجنوب خلق ليكون جبهة مفتوحة إلى ما لا نهاية، والحقيقة أن الجنوب لم يكن يوما مجرد جبهة. فهو مجتمع كامل له مصالحه وطبقاته وأحلامه وتحولاته ومخاوفه، ومن حقه أن يعامل كمكان للحياة وليس مجرد ساحة للمواجهة.
وبهذا المعنى تبدو الدعوة أقرب إلى الإعلان الثقافي منها إلى البيان السياسي. ويقول إن المجتمع يريد استعادة حقه في طرح الأسئلة التي تم تأجيلها. هل مهمة الجنوب هي المقاومة فقط أم من حقه أن يعيش أيضاً؟ هل قيمة الإنسان فيما يأتي به إلى الحرب أم فيما يبنيه للحياة؟ فهل يمكن للمقاومة نفسها أن تتحول إلى هدف مستقل عن المجتمع الذي وجدت أصلا لحمايته؟ هذه الأسئلة لا تنزع الشرعية عن تاريخ طويل من التضحيات، لكنها تعيد وضع هذه التضحيات في ميزان المستقبل، وليس في ميزان الذاكرة وحدها.
لبنان الذي يعود من الجنوب
دعوة صور والنبطية لا تتعلق بـ«الحزب» وحده، ولا حتى بـ«المقاومة» وحدها. يتعلق الأمر بلبنان نفسه. وكل مراجعة كبرى في البيئة الشيعية ستؤدي بالضرورة إلى إعادة طرح مسألة الدولة اللبنانية ودورها وموقعها.
لعقود من الزمن، عاش لبنان في ظل ازدواجية قاتلة: دولة ضعيفة و”مقاومة” قوية. لكن هذه المعادلة التي نشأت في ظروف استثنائية، تبدو اليوم موضع جدل متزايد، حتى داخل البيئة التي أعطتها شرعيتها التاريخية، ليس لأن الناس فقدوا إحساسهم بالتهديد الإسرائيلي، بل لأنهم بدأوا يشعرون بأن المجتمع نفسه أصبح في خطر.
وهنا تبرز أهم أهمية للدعوة، فهي لا تدعو إلى الاستسلام، بل إلى نقل وظيفة الحماية من الجماعة إلى الدولة، ومن التنظيم إلى المؤسسة، ومن الساحة إلى الأمة. إنه يعكس شوقاً متزايداً إلى لبنان طبيعي، لبنان لا يُطلب فيه من أي جزء منه أن يتحمل أعباء الصراع وحده، ولا يُطلب من أبنائه أن يعيشوا، جيلاً بعد جيل، على إيقاع الحرب نفسها.
أيمن الجزيني
#نداء #صور #والنبطية #الانتقال #من #التحرير #إلى #البقاء
نداء صور والنبطية: الانتقال من “التحرير” إلى “البقاء”
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – نداء صور والنبطية: الانتقال من “التحرير” إلى “البقاء”
المصدر : www.elsharkonline.com
