.

اراء و اقلام الدستور – عندما يتحول الاعتقال إلى عقوبة مسبقة!

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – عندما يتحول الاعتقال إلى عقوبة مسبقة!


دستور نيوز

غزو ​​القرنفل

ومن أخطر مؤشرات عائق الانتقال نحو سيادة القانون، أن يتحول الحبس الاحتياطي من إجراء استثنائي تحكمه قيود صارمة إلى وسيلة سهلة يقتصر استخدامها على مجرد تقديم شكوى أو مطالبة شخصية من قبل شخص ما دون فحص جدي للأدلة، أو مراعاة الضمانات التي تكفلها النصوص الدستورية والقانونية.

وفي هذه الحالة، لا يكون الاعتقال أداة لتحقيق العدالة، بل يصبح شكلاً من أشكال التلاعب بالقانون، والاستخدام التعسفي للسلطة العامة خارج الغرض الذي أنشئت من أجله.

وتنص الفقرة الثانية من المادة 18 من الإعلان الدستوري السوري بوضوح على أنه: “إلا في حالة التلبس بالجريمة، لا يجوز القبض على إنسان أو حبسه أو تقييد حريته إلا بموجب حكم قضائي”. وهذا النص ليس مجرد قاعدة إجرائية فنية، بل هو تجسيد لمبدأ دستوري أساسي يقوم على مبدأ أن حرية الإنسان هي الأصل، ولا يجوز تقييدها إلا في أضيق الحدود، وبشروط معينة، وتحت رقابة قضائية. وهذا يعني أن الاعتقال ليس إجراءً تلقائياً ينتج عن مجرد الاتهام، وكأنه عقوبة مسبقة على جريمة لم تثبت بعد على الشخص المشتكى عليه. ولذلك، لا ينبغي أن يكون للقضاء أيضاً السلطة المطلقة في اتخاذه. بل يجب أن يكون إجراءً استثنائياً لا يمكن اللجوء إليه إلا إذا توافرت شروط محددة، أهمها وجود أدلة جدية على وقوع الجريمة ونسبتها إلى المشتبه فيه، ووجود ضرورة قانونية تبرر حرمانه من حريته، مثل وجود خوف من فراره، أو تأثيره على الأدلة، أو تهديده للشهود، أو احتمال تكرار الفعل الإجرامي. ومع ذلك، إذا تم التعامل مع الادعاء الشخصي كسبب كاف للاعتقال الفوري، فإن ذلك يدمر قرينة البراءة من أسسها. وفقاً لأبسط مبادئ العدالة، يعتبر المتهم بريئاً مما نسب إليه حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي.

ولذلك فإن مجرد الشكوى أو الاتهام لا يعتبر دليلاً في حد ذاته، ولا ينبغي أن يتحول الخلاف الشخصي إلى وسيلة لحرمان الإنسان من الحرية. لكن الأخطر من ذلك هو أن يحرم المعتقل من حقه في الاستعانة بمحام خلال فترة اعتقاله، أو أن يتم تقييد هذا الحق بشكل يعوق فاعليته. إن حق الدفاع ليس ترفاً قانونياً، بل هو أحد ركائز المحاكمة العادلة. وبدون تمكين المعتقل من التواصل مع محاميه، تصبح إجراءات التحقيق أقرب إلى ممارسة السلطة منها إلى تطبيق القانون.

إن قيمة القانون لا تقاس بقدرتنا على تطبيقه ضد من نختلف معه أو نعارضه، بل بقدرته على حماية حقوق الجميع، بمن فيهم من لا نتفق معهم سياسيا أو فكريا. لم توضع الضمانات القانونية لحماية فئة من الناس، بل لحماية كل إنسان، مهما كان انتمائه العرقي أو الديني أو الطائفي، وأيضا بغض النظر عن الأفكار التي يتبناها والمواقف التي يعبر عنها، من إساءة استخدام السلطة، مهما كانت التهم الموجهة إليه. ولهذا يبدو من المثير للقلق والمستهجن أن تجد بعض “أبناء الثورة” أو “أنصار السلطة الجديدة” يبررون هذه الممارسات لأن المعتقل معارض ومنتقد لتلك السلطة، أو صاحب رأي مزعج ومؤلم. وهذا المنطق لا يدافع عن العدالة، بل يضفي الشرعية على سلطة طغيان جديد سيأتي ذات يوم بنتائج عكسية على من يصفق له اليوم.

عندما يصبح مجرد ادعاء شخصي كافيا لحرمان شخص من حريته، ينفتح الباب أمام كل معارض سياسي أو صاحب نفوذ أو صاحب مصلحة أو حتى حاقد، لرفع دعوى قضائية ضد ناشط أو صحفي أو معارض أو ثوري. ويجد نفسه معتقلاً بنفس السهولة، ودون حماية فعالة لحقوقه. وهكذا استبدلنا ضبط الأمزجة بحكم القانون، وثقافة الانتقام بالضمانات الدستورية، واستبدلنا القضاء العادل بإجراءات قد تبدو قانونية في الشكل ولكنها تفتقر إلى العدالة في جوهرها.

إن الدول لا تتفكك أو تنهار فقط عندما تنتهك القوانين صراحة، بل أيضا عندما تستخدم نصوصا قانونية خارج سياقها وهدفها وبطريقة تتعارض مع روحها وهدفها. إن القانون الذي وُضع لحماية الحرية وتنظيم ممارستها يفقد معناه عندما يتحول إلى أداة لتقييدها دون مبرر حقيقي.

إن سوريا اليوم بأمس الحاجة إلى تأسيس ثقافة قانونية جديدة تؤمن بأن الحرية هي الأصل، وأن الاعتقال والحرمان من الحرية هو الاستثناء، وأن القضاء ليس وسيلة لتصفية حسابات أو إسكات الأصوات الناقدة، بل مؤسسة لحماية الحقوق وتحقيق العدالة للجميع. العدالة الحقيقية لا تقاس بمدى قدرتنا على معاقبة من نختلف معهم، بل بمدى التزامنا بضمان حقوقهم كاملة، وعندما ندافع عن حق خصومنا في الحرية والمحاكمة العادلة، فإننا في الواقع نعزز وندافع عن حقنا في ألا نكون ضحايا لسلطة تستخف به. مخالفة القانون أو انتهاك الحقوق. العبث بالقانون هو أقصر الطرق لزعزعة الثقة بالدولة، وتحويل العدالة من ضمانة للشعب إلى مصدر جديد لتكريس ثقافة الخوف.

#عندما #يتحول #الاعتقال #إلى #عقوبة #مسبقة

عندما يتحول الاعتقال إلى عقوبة مسبقة!

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – عندما يتحول الاعتقال إلى عقوبة مسبقة!

المصدر : www.enabbaladi.net

.