.

اراء و اقلام الدستور – استشهاد المفتي الشيخ حسن خالد: اغتيال مشروع وطن – 2

سامر الشخشيرمنذ 17 دقيقة
اراء و اقلام الدستور – استشهاد المفتي الشيخ حسن خالد: اغتيال مشروع وطن – 2


دستور نيوز

المحامي أسامة العرب

وتميز خطابه السياسي بقدرته على الجمع بين وضوح الموقف واعتدال التعبير. ورفض الاستقواء في الخارج والغطرسة في الداخل، مدركاً أن أي طائفة تحاول حكم لبنان بمفردها ستدفعه نحو الانهيار، وأن أي مكون يشعر بالخوف أو الإقصاء سيبحث عن الحماية خارج إطار الدولة. لذلك، كان مشروعه يقوم على الدولة العادلة والقوية، وليس الدولة المهيمنة، وعلى المشاركة الوطنية وليس المحاصصة المدمرة، وعلى الإصلاح السياسي وليس الانتقام الطائفي.

وفي 16 مايو/أيار 1989، امتدت يد الغدر إلى جسده، لكنها في الواقع كانت تستهدف المسار الذي يمثله. وكان اغتياله قرب دار الفتوى رسالة دموية موجهة إلى الاعتدال اللبناني والعروبة الجامعة ومشروع الدولة. وكان القاتل يدرك أن دار الفتوى ليست مجرد مؤسسة دينية، بل هي قلعة وطنية تدافع عن وحدة المسلمين ضمن مشروع وطني شامل، ورفضت تحويل الدين إلى أداة للقتال أو الفرقة.

سياسياً، يمكن قراءة اغتياله كجزء من سلسلة استهداف السلطات الوطنية القادرة على منع لبنان من السقوط الكامل في التفكك. وفي زمن الحروب الأهلية تصبح الكلمة العقلانية أخطر على مشاريع الفوضى من السلاح، ويصبح رجل الاعتدال خصماً لكل من يستثمر في الفرقة. لذلك، لم يكن مفاجئاً أن يكون المفتي الشيخ حسن خالد مستهدفاً، لأنه يمثل النقيض التام لمنطق الحرب: الدولة في زمن الدويلات، والمصالحة في زمن الانقسام، وتوحيد العروبة في زمن الاصطفافات القاتلة.

وباعتباري أحد الذين تشرفت بعلاقة صداقة قوية مع سماحته، رأيت فيه ذلك التوازن النادر بين الزهد الديني وصلابة الموقف الوطني. كان بعيداً عن الرياء وإظهار السلطة، لكنه كان حازماً جداً عندما يتعلق الأمر بعروبة لبنان، أو وحدة الدولة، أو دور المسلمين في حماية الوطن. فهو لم ينظر إلى المسلمين كطرف في صراع طائفي، بل كركيزة للوحدة الوطنية وشريك أصيل في بناء دولة العدل والمساواة.

وكان يدرك أن دور دار الإفتاء لا يمكن أن يكتمل إلا إذا كانت مرجعية جامعة وليست منبراً للفئات الفئوية، ولذلك أصر، في أحلك الظروف، على أن تكون مفتياً لكل اللبنانيين. وفي المراحل المظلمة من تاريخنا، من حروب المخيمات إلى معارك بيروت المؤلمة، ظل صوته صوت العقل والرحمة والمسؤولية. فهو لم يتنازل عن القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه رفض تحويل المخيمات إلى وقود لصراعات الآخرين، كما رفض تحويل بيروت إلى ساحة للانتقام أو تصفية الحسابات.

تقوم مدرسة المفتي الشهيد على معادلة ثلاثية لا تزال سارية حتى اليوم: الدولة أولاً، والعروبة كإطار حضاري، والمواطنة أساساً للحقوق والواجبات. هذه هي المعادلة التي يحتاجها لبنان اليوم في ظل الانهيار المؤسسي، وتراجع الثقة بالدولة، وصعود الخطاب الشعبوي والطائفي، وتحول المنطقة إلى ساحة صراعات مفتوحة. لبنان لا يتقدم بإحياء التعصب، ولا بتحميل طائفة مسؤولية فشل الدولة، بل باستعادة فكرة الدولة الضامن الوحيد للجميع.

وفي هذا السياق، لا يمكن التطرق إلى إرث المفتي الشيخ حسن خالد دون التوقف عند ضرورة استكمال معركة إلغاء الطائفية السياسية، ليس كشعار بناء، بل كمسار دستوري وثقافي وتربوي. ورأى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يتحرر المواطن من التبعية الطائفية ليصبح شريكا في دولة القانون التي لا تزال تشكل جوهر أي مشروع إنقاذ جدي للبنان.

فالوفاء لدمه لا يتحقق بالمهرجانات والخطب فقط، بل بإحياء مشروعه السياسي والأخلاقي: الدفاع عن السيادة، وحماية المؤسسات، ونبذ الفتنة، والحفاظ على العيش المشترك، والتمسك بفلسطين والقدس كقضية مركزية، وبناء الدولة العادلة التي لا يشعر فيها المواطن بالغريب أو المظلوم. ولا يكرم الشهيد بالبكاء عليه فحسب، بل بالعمل على حماية المبادئ التي استشهد من أجلها.

واليوم، ونحن نحمل أمانة هذه الدماء الطاهرة، نرى في سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور عبد اللطيف دريان، أطال الله عمره، امتداداً لهذه المدرسة الوطنية الشاملة، وتمسكاً بنهج الاعتدال والإصلاح وحماية الوطن والوطن. ودار الفتوى، عندما تبقى وفية لتاريخها، ليست مجرد مؤسسة دينية لطائفة معينة، بل هي مرجعية وطنية في الدفاع عن لبنان الدولة، ولبنان الرسالة، ولبنان العروبة المنفتح على الشراكة والتعددية.

خلاصة الأمر أن المفتي الشيخ حسن خالد لم يرحل بالمعنى العميق للكلمة. صحيح أن يد الجريمة غزت جسده، لكنها لم تستطع اغتيال فكرته. الرجل استقر في ذاكرة الأمة وأصبح معيارا أخلاقيا وسياسيا يقاس به صدق الالتزام بالدولة والمصالحة والعروبة. وستبقى دماؤه أمانة في أعناق اللبنانيين، تدفعهم إلى استكمال معركة السيادة والاستقلال، والدفاع عن الحق العربي في فلسطين والقدس، والعمل على بناء دولة المؤسسات والقانون.

رحم الله المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد، رجل النزاهة وضبط النفس، ورجل البصيرة الوطنية، الذي أدرك قبل الكثيرين أن لبنان لا يعيش إلا بوحدته، ولا يتقدم إلا بدولته، ولا يحفظ تنوعه إلا بمواطنته الجامعة. وسيبقى اسمه محفوراً في سجل الخالدين، ليس فقط كأحد أعظم مفتي لبنان في تاريخه الحديث، بل كزعيم وطني استثنائي بقي حياً في ضمير العروبة ووجدان كل لبناني يؤمن بوحدة وطنه، ونهائية كيانه، وعدالة دولته.

المحامي أسامة العرب

#استشهاد #المفتي #الشيخ #حسن #خالد #اغتيال #مشروع #وطن

استشهاد المفتي الشيخ حسن خالد: اغتيال مشروع وطن – 2

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – استشهاد المفتي الشيخ حسن خالد: اغتيال مشروع وطن – 2

المصدر : www.elsharkonline.com

.