دستور نيوز
جاد الاخى
الاثنين 4 مايو 2026 – 09:35
المصدر : نداء الامة
ما كتبه إبراهيم الأمين ليس مجرد رأي سياسي حاد، بل هو محاولة صريحة لفرض معادلة إقصائية على لبنان: إما الخضوع لمنطق حزب الله، أو اتهامه بالخيانة والتبعية. وهذا النوع من الخطاب لا يقرأ الواقع، بل يسعى إلى ترسيخه بالقوة، عبر تحويل توازن القوى القائم إلى مصير نهائي لا يمكن كسره.
جوهر المشكلة يبدأ من الفرضية التي تطرحها: «لا اتفاق في لبنان خارج الاتفاق مع إيران». هذه العبارة، مهما حاول البعض تبريرها بالواقعية السياسية، ما هي إلا إعلان واضح أن لبنان لم يعد دولة ذات سيادة، بل ساحة مرتبطة بمحور إقليمي. صحيح أن إيران تتمتع بنفوذ حقيقي من خلال الحزب، لكن تحويل هذا النفوذ إلى شرط إلزامي لأي تسوية يعني عملياً شطب دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وإلغاء أي إمكانية للقرار الوطني المستقل. وهذا ليس وصفًا للواقع، بل محاولة لتأسيسه على أنه أمر لا مفر منه.
والأخطر من ذلك أن المادة ترفع الحزب إلى مرتبة السلطة النهائية التي لا يمكن تجاوزها. في منطق الدول، لا كيان فوق المؤسسات، ولا شرعية خارج الدستور. فالقوة العسكرية، مهما عظمت، لا تمنح الحق في السيطرة على قرارات دولة بأكملها. إن تحويل السلاح إلى أداة للتسوية السياسية الدائمة يعني ببساطة إلغاء الدولة واستبدالها بنظام مواز تسيطر عليه دون أي رقابة أو محاسبة.
لكن ما يتجاهله هذا الخطاب عمداً هو التكلفة العالية لهذا النموذج. لبنان اليوم ليس في موقع «الانتصار» كما يروج له، بل في قلب انهيار شامل: اقتصاد منهار، ومؤسسات مشلولة، وهجرة جماعية تضرب أسس المجتمع. إن ربط لبنان بالصراعات الإقليمية المفتوحة لم يحميه، بل عزله وأنهكه. وأي خطاب لا يربط هذا الواقع بفائض القوة خارج الدولة هو خطاب يفتقر إلى المصداقية.
والأخطر هو التهديد الكامن في النص، والذي يكاد يكون إعلاناً واضحاً: أي سلطة لا تتناسب مع هذا المقياس «ستتم مقاومتها». وهنا تسقط كل أقنعة «الواقعية» و«التحليل»، ويظهر جوهر الفكرة: فرض الإرادة السياسية بالقوة. وهذه ليست معادلة دولة، بل منطق ميليشياوي بامتياز، يقوم على الابتزاز: إما القبول، وإما الفوضى. وفي بلد هش مثل لبنان، فإن هذا الاقتراح ليس مجرد رأي، بل وصفة مفتوحة للانفجار الداخلي.
وفي السياق نفسه، يأتي الهجوم على رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام. فالمسألة هنا لا تتعلق بتقييم الأداء أو الخيارات السياسية، بل هي محاولة نزع الشرعية عن أي مشروع يعيد سمعة الدولة. ومن لا يندرج ضمن هذا المحور يتم تصنيفه تلقائياً كأداة للخارج، بينما يمنح الاحتكار الكامل للشرعية لمن يملك السلطة. وهكذا يُغلق باب السياسة ويحل محله منطق الإقصاء.
أما اختزال مستقبل لبنان في اتفاق أميركي – إيراني، فهو تبسيط يخدم رواية محددة: أن اللبنانيين لا يملكون قرارهم، وعليهم انتظار ما تقرره العواصم. صحيح أن التفاهمات الإقليمية لها تأثير، لكن حصر كل شيء فيها يلغي عوامل أساسية: دور الداخل اللبناني، وتوازناته، وإرادته السياسية، وحتى حسابات إسرائيل نفسها. وتجاهل هذه العناصر ليس تحليلا، بل هو انتقائية هدفها ترسيخ فكرة واحدة: لا أفق خارج هذا المحور.
ومشكلة هذا الخطاب أنه لا يصف ميزان القوى فحسب، بل يعمل على إضفاء الشرعية عليه كأمر دائم. فهو لا يقدم حلولاً، بل يفرض الاستسلام. فهو لا يفتح الباب أمام نقاش وطني، بل يغلقه مقدما. وفي بلد مثل لبنان، حيث التوازنات حساسة، فإن هذا النهج لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى مزيد من الانقسام والتفكك.
التجربة اللبنانية واضحة: لا يستطيع أي حزب، مهما كانت قوته، أن يحكم بمفرده. وكل محاولة لفرض الهيمنة الأحادية أدت إلى أزمات أعمق، وليس إلى الاستقرار. لبنان لا يُدار بالسلاح، ولا يُبنى على معادلة «من يملك القرار». الحل، مهما بدا معقدا، يبدأ باستعادة سمعة الدولة: مؤسسات فاعلة، وقرار سيادي موحد، وسلاح محصور في أيدي الشرعية.
خلاصة هذا التصريح بسيطة وقاسية في الوقت نفسه: لبنان ليس محافظة إيرانية، ولا ساحة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية. وأي خطاب يحاول فرض هذا الواقع، مهما زين بشعارات “المقاومة” أو “الواقعية”، لا يحمي البلد، بل يساهم في تدميره. فإما أن يكون لبنان دولة لكل أبنائه، يتمتع بميزة العيش المشترك، وإما أن لا يكون.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#لبنان #ليس #محافظة #إيرانية #رد #على #منطق #الوصاية #المقنعة #صوت #لبنان #صوت #لبنان
لبنان ليس محافظة إيرانية: رد على منطق الوصاية المقنعة – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – لبنان ليس محافظة إيرانية: رد على منطق الوصاية المقنعة – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
