دستور نيوز
غزو القرنفل
وتقدم المحاكمة، التي بدأت في 26 أبريل الماضي، كرد متسرع ومبهرج على موجة الضغوط الشعبية التي تصاعدت في الآونة الأخيرة، خاصة بعد القبض على مرتكب مجزرة التضامن، وما أثاره ذلك من أسئلة مشروعة حول استمرار التهرب من المساءلة عن المسؤول المباشر (المدعو فادي صقر) حتى الآن.
لكن التدقيق في سياق هذه المحاكمة وظروف إعدادها يشير إلى أنها لم تكن نتيجة لحظة ضغط عاجلة، بل تم إعدادها منذ أشهر، لكن موعد انعقادها ربما يكون قد تم استعجاله، مما يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول توقيتها وأسسها القانونية.
المشكلة الأساسية لا تكمن في مبدأ المحاكمة بحد ذاته، فذلك مطلب بديهي وأصيل لأي مجتمع يسعى إلى تحقيق العدالة، لكن المشكلة في الإطار القانوني الذي تجري فيه هذه المحاكمة، إذ تعقد وفقاً لقانون العقوبات السوري الصادر عام 1949، وهو القانون الذي رغم أهميته التاريخية، لم يعد كافياً للرد على المفاهيم المعاصرة للتجريم والعقاب كما ينبغي، ولا يتضمن مفاهيم حديثة مثل جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية، وبالتالي القانون القانوني. ويظل تكييف الأفعال المنسوبة إلى المتهم خاضعاً لأحكام هذا القانون ولا يعكس حقيقة هذه الجرائم أو حجمها أو طبيعتها.
وهنا تظهر القاعدة القانونية الراسخة وهي «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص». وهي قاعدة تشكل ضمانة أساسية للعدالة، لكنها في الحالة السورية تتحول إلى قيد عندما يتعلق الأمر بمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة وفق قانون لا ينص عليهم، ولا يعترف حتى بوصفهم الحقيقي. وهذا يعني عملياً أن الجرائم ستختزل إلى أعمال إجرامية تقليدية، لا ترقى إلى مستوى الجرائم والانتهاكات التي شهدها السوريون خلال الأعوام الـ 14 الماضية، لا في الوصف ولا في الأثر القانوني.
ولا يقف الأمر عند حدود ذلك، بل يمتد إلى مسألة التقادم. يتضمن القانون الحالي أحكاما تسقط بموجبها الدعوى الجنائية أو العقوبة بمرور الوقت، في حين تتفق القوانين الدولية والممارسات القضائية الحديثة على أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم. وبالتالي فإن المضي في المحاكمات وفق القانون الحالي قد يفتح الباب مستقبلاً لبعض الجناة، وربما أخطرهم، للإفلات من العقاب، ليس بسبب براءتهم، بل بسبب انتهاء المدة القانونية.
وإذا كان من المسلم به أن جميع الأعمال المرتكبة بحق السوريين تقع في جوهرها ضمن تصنيف الجرائم الدولية الخطيرة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يتم تجاوز الخيار الأكثر انسجاما مع العدالة، وهو انتظار صدور قانون عدالة انتقالية يواكب طبيعة هذه الجرائم ويؤسس لمحاكمات أكثر شمولا وعدالة؟ ثم يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحا إذا علمنا أن هيئة العدالة الانتقالية أعلنت أن مشروع قانونها جاهز للعرض على المجلس التشريعي المقبل لمناقشته وإقراره. لذلك، نحن لا نواجه فراغاً قانونياً مطلقاً، بل نواجه مرحلة انتقالية قصيرة كان من الممكن إدارتها بصبر أكبر، بما يضمن بناء مسار قضائي أكثر تماسكاً.
والأخطر من ذلك أنه حتى لو صدر قانون العدالة الانتقالية لاحقًا، فلن يكون من الممكن تطبيقه على القضايا التي بدأت محاكماتها بالفعل، إذا كان هذا القانون أكثر قسوة على المتهمين، وذلك التزامًا بمبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية الأشد قسوة، مما يعني أن التسرع في بدء هذه المحاكمات قد يحرم العدالة من أدوات قانونية أكثر تقدمًا كان من الممكن استخدامها لاحقًا. ومن هنا لا يظهر السؤال: لماذا تأخرت المحاكمات؟ لكن لماذا بدأ الأمر الآن بهذه الطريقة، وبهذا الإطار القانوني؟ ما الذي يدفع إلى الإلحاح في الوقت الذي كان من الممكن فيه الانتظار بضعة أشهر إضافية وليس أكثر، لضمان بيئة وإطار قانوني أكثر ملاءمة؟
سيقول البعض، كالعادة، إن النقد موجه إلى السلطة، سواء فعلت أو لم تفعل. وهذا القول صحيح من جانب واحد، لكنه يتجاهل جوهر المسألة. وعندما توجه الانتقادات إلى التقاعس، فذلك بسبب غياب الشفافية وافتقار السلطة إلى الصراحة والشفافية مع الشعب، وعدم توضيح أسباب التأخير أو خطط العمل. أما النقد، فعندما يكون موجها إلى الفعل، غالبا ما يكون نتيجة إدراك أن هذا الإجراء جاء متعجلا أو متأخرا، أو لا يراعي المتطلبات القانونية المنظمة له، أو أنه أقرب إلى الاستجابة الفورية لضغوط الرأي. عامة، وليس استجابة مدروسة لحاجة وطنية عميقة.
العدالة، في النهاية، ليست مسألة استعراض أو استجابة «فيسبوكية» لمزاج عام متقلب يُراد التلاعب به أو استغلاله. بل هي عملية معقدة تحتاج إلى الحذر والرؤية وإطار قانوني متين، وأي اختزال لها في إجراءات متسرعة مهما كانت النوايا قد يؤدي إلى نتائج عكسية تضر بثقة الناس بها، وتفتح الباب أمام تشكيك واسع النطاق في جدواها. ما يحتاجه السوريون اليوم ليس مجرد محاكمات، بل مسار عدالة حقيقي يدرك حجم المأساة ويكشفها. إن الإرث القمعي يقطع علاقته به، ويسمي الجرائم بأسمائها، ويديم ثقافة الإفلات من العقاب.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#يحدث #الآن #على #ساحة #العدالة #السورية
يحدث الآن على ساحة العدالة السورية!
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – يحدث الآن على ساحة العدالة السورية!
المصدر : www.enabbaladi.net
