.

اراء و اقلام الدستور – سوريا ليست للبيع

سامر الشخشيرمنذ 53 دقيقة
اراء و اقلام الدستور – سوريا ليست للبيع


دستور نيوز

غزو ​​القرنفل

لم تعد سوريا جزءاً من السلطنة العثمانية منذ أكثر من قرن من الزمان، ولم تعد تلك السلطنة موجودة على الإطلاق منذ انهيارها وتأسيس الجمهورية التركية عام 1923. لكننا اليوم نشهد محاولات مثيرة للقلق لإحياء أرشيف تاريخي عفا عليه الزمن واستخدامه كأداة قانونية للطعن في الممتلكات المستقرة والثابتة المحمية بموجب القوانين السورية النافذة منذ تأسيس الدولة الحديثة.

ولا يمكن اعتبار هذا الاتجاه مجرد اجتهاد إداري أو قانوني، بل هو انزلاق خطير نحو تقويض أسس الاستقرار القانوني وفتح الأبواب لخلافات لا نهاية لها. وفي إطار هذه المحاولات، تسعى وزارة الأوقاف السورية إلى التنقيب في الأرشيف العثماني بحثًا عن وثائق قديمة تسعى للاستفادة منها في إثبات دعوى ملكية الوقف على العديد من العقارات في دمشق وحلب، وهي عقارات حاليًا مملوكة لأصحابها الحاليين عن طريق الميراث أو الشراء من أصحابها الأولين بموجب سندات ملكية رسمية ثابتة ومثبتة وفق القانون السوري، وخاصة قانون السجل العقاري. صدر عام 1926 والذي شكل منذ صدوره المرجع النهائي والأخير في تحديد الملكية العقارية التي لا يتم قيدها في السجل العقاري إلا بعد سلسلة طويلة من الإجراءات، تبدأ بعمليات التحديد والتحرير، ثم بعد إتمامها يتم الإعلان عن مدة شهر يحق خلالها لكل مدعي صاحب حق الاعتراض على ما قيد في تقرير التحديد والتحرير. ويعقب ذلك الحكم في الاعتراضات من قبل القاضي العقاري الذي يكون قراره قابلاً للاستئناف. وبعد صدور القرار النهائي يتم إرسال المحضر للتسجيل في السجل العقاري. ومع ذلك يحق لكل متضرر ما يلي: يجوز للمدعي الذي فاتته هذه المراحل رفع دعوى إلغاء القيد خلال مدة سنتين من تاريخ قيد المحضر في السجل العقاري. بل أكثر من ذلك، فقد منح القانون أيضاً فرصة أخيرة وأخيرة لكل متضرر لرفع دعوى التعويض إذا رأى أنه أضاع فرصة استرداد حقه المزعوم، وذلك خلال مدة 15 سنة التالية لانتهاء مدة السنتين.

من ركائز الدولة الحديثة أنها تقوم على مبدأ السيادة القانونية، وعلى استمرارية القوانين والمؤسسات، وعلى استقرار المعاملات، وليس على استدعاء المحفوظات التاريخية المنقرضة التي لم يعد أصحابها يستخدمونها كمرجع قانوني فعال، بهدف الاعتماد عليها في تغيير المراكز القانونية التي تأسست على مدى عقود طويلة، مما سيفتح أبوابا واسعة للنزاعات القضائية والاجتماعية، لأن كل عقار قد يصبح بعد ذلك عرضة للطعن في صحته، وقد يجد كل مواطن نفسه فجأة مضطرا إلى ذلك إثبات حقه في عقار يملكه منذ عقود، وربما لأجيال، وليس الأمر كذلك. فهو لا يهدد الاستقرار القانوني فحسب، بل يقوض أسس الاستقرار الاجتماعي الذي يبحث عنه السوريون «بمصباح وفتيلة» كما يقولون، ويزرع الشك في قلوب الناس تجاه مؤسسات الدولة. فهل من المعقول أو المقبول أن تسعى وزارة سورية إلى إثبات ملكيتها المفترضة منذ ما قبل قيام الدولة السورية نفسها، وذلك باستخدام أرشيف دولة لم تعد موجودة؟

إن السكوت على هذا السخافة يشكل سابقة خطيرة، لأنه يقوض مبدأ استقرار الملكية، الذي يعد من أهم ركائز أي نظام قانوني حديث. فلا يمكن بناء اقتصاد، أو جذب الاستثمارات، أو تحقيق التنمية، في ظل بيئة قانونية غير مستقرة، حيث يمكن الطعن في الملكية بناء على وثائق تاريخية تعود إلى قرون مضت.

القانون الوحيد المطبق الذي تستطيع وزارة الأوقاف البحث بنصوصه عن عقاراتها المفترضة هو القانون السوري وحده، وتحديداً قانون السجل العقاري لعام 1926، الذي لا يزال يشكل المرجع التأسيسي والأساسي في تحديد الملكية، وأي محاولة لتجاوزه أو التحايل عليه يعني عملياً تقويض أحد أهم ركائز الدولة القانونية. السجل العقاري ليس مجرد أرشيف، بل هو ضمانة للحقوق وأساس للثقة بين المواطنين وبين المواطن والدولة.

ولتعلم وزارة الأوقاف وداعميها أن سوريا ليست أرضاً سائبة، وليست سلعة يمكن التفاوض عليها أو إعادة توزيعها وفق قراءات انتقائية لأرشيف يسبق ظهور الدولة السورية نفسها، وأن هراء التصريحات الصادرة عن الوزارة، والتي أثارت بلبلة وفتحت أبواباً للحديث والقلق، لم يكن له داعي على الإطلاق، خاصة وأن تركيا لم تدعي أن لديها أموال وقف داخل سوريا، ولا يمكنها أن تطالب بها فعلياً ولو شاءت، لأن اتفاقية “لوزان” التي وقعتها تركيا عام 1923، والتي تعتبر تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، ألزمتها بالتنازل عن جميع الأراضي التي كانت تابعة للسلطنة العثمانية والتي أصبحت خارج حدود الجمهورية التركية الحديثة. وعليه فإن أموال وعقارات الأوقاف الموجودة ضمن الأراضي السورية هي ملك خالص للدولة السورية.

نعم، وفي سياق آخر، وخارج نطاق عقارات الوقف، هناك أملاك تركية داخل سوريا تم الاستيلاء عليها ومنع التصرف فيها. كذلك هناك أملاك سورية داخل تركيا تم التحفظ عليها ومنع أصحابها من التصرف فيها منذ ستينيات القرن الماضي بسبب الخلافات الحدودية والسياسية بين البلدين. وأزعم أن الفرصة متاحة اليوم لحل هذه المشكلة بشكل عادل، لكن هذا الأمر يختلف عن مسألة أملاك الوقف، وهي أملاك سورية بحتة، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين.

سورية دولة ذات سيادة، لها قوانينها ومؤسساتها، وستبقى كذلك رغم كل العبث بالسلطة. وأي محاولة لبيعه في سوق الغنائم التي يهيمن عليها الإسلاميون، أو تفكيك أسسه القانونية، هي في جوهرها اعتداء على مستقبله وعلى حقوق شعبه الذي لن يتسامح مع جريمة ترتكبها السلطة علناً.

#سوريا #ليست #للبيع

سوريا ليست للبيع

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – سوريا ليست للبيع

المصدر : www.enabbaladi.net

.