.

اراء و اقلام الدستور – بين الجولاني في إدلب والشرع في أنطاليا

سامر الشخشير19 أبريل 2026
اراء و اقلام الدستور – بين الجولاني في إدلب والشرع في أنطاليا


دستور نيوز

أحمد عسيلي

وفي الأسابيع الأخيرة، ظهر الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في أكثر من فضاء سياسي دولي، بدءاً من مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، مروراً بحواره الشهير في تشاتام هاوس، وصولاً إلى لقائه برئيس الوزراء البريطاني في 10 داونينج ستريت. ولم تعد هذه اللقاءات مجرد زيارات بروتوكولية، بل تعكس الاندماج المتزايد لشخصية كانت تقرأ سابقا خارج المجال السياسي الدولي. وبالتوازي مع ذلك، ظهرت شخصيات من بيئته في المنتديات العالمية، حيث جرت مناقشات مباشرة مع نخب غربية رفيعة المستوى. وأمام هذه التحولات لم يعد السؤال هل تغير الرجل، بل هل أصبح المتلقي قادرا على تحديث صورته عنه.

بالنسبة لبعض السوريين، لا يزال اسم “الجولاني” حاضراً بقوة، ليس مجرد تسمية، بل كتمثيل كامل. الاسم هنا يستدعي صورة معينة، رجل يعيش مختبئا في الكهوف، يتحدث لغة قديمة وغريبة، خارج السياسة وخارج العالم. هذه الصورة الراسخة منذ سنوات لا تترك مجالاً لرؤية تحولات لاحقة. ولذلك فإن الإصرار على استخدام هذا الاسم لا يمكن قراءته فقط كموقف لغوي أو سياسي، بل كنوع من التثبيت النفسي لصورة قديمة، يسمح باستمرار الفهم المريح. للصراع.

لكن ما يظهر اليوم يقدم صورة مختلفة جذريا. نحن لا نواجه نموذج «أبو بكر البغدادي» المتخفي والمغيب عن المجال العام، بل أمام شخصية حاضرة، يدعوها الرئيس الألماني إلى برلين، يلتقط الصور على درجات الإليزيه مع الرئيس الفرنسي، ويجري مقابلات، ويتنقل ضمن فضاءات سياسية معترف بها. هذا الانتقال من الهوامش إلى المقدمة لا يربك المعارضين فحسب، بل يضعهم أيضًا أمام تحدي إعادة ترتيب تمثيلاتهم، وهو التحدي الذي غالبًا ما يقابل بالإنكار أو التشبث بالصورة. لم يعد موجودا.

لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى مسار أقدم بدأ يتشكل منذ أواخر التسعينيات في مصر، حيث شهدت تلك المرحلة ما عرف بـ”المراجعات الفكرية” داخل السجون، حيث أعادت الجماعات الإسلامية المتطرفة النظر في علاقتها بالعنف ومع الدولة، لتنتج فيما بعد صيغة التعايش مع النظام المصري. وبالتوازي مع هذه التحولات، ظهرت ظاهرة «الدعاة الجدد» التي بدأت مع عمرو خالد، وبلغت ذروتها في أيامنا مع مصطفى حسني ومعز مسعود، حيث لم يعد الداعية الإسلامي صورة رجل منعزل أو متشدد، يرتدي ملابس القرون الوسطى ويتحدث لغتها، بل شاب أنيق مثقف، يتحدث لغات أجنبية، ويلقي خطابا مندمجا في الحياة اليومية.

وفي سوريا، لم تتبلور تجربة مماثلة بالحجم نفسه، نتيجة لطبيعة النظام السياسي. لكن ظهرت محاولات مماثلة مع صعود رجل الدين محمد حبش وتجربة تجديد الخطاب الديني في مركز الدراسات الإسلامية بدمشق، حيث تم تقديم نموذج للإسلامي المثقف المنفتح، محاطاً بتلاميذ من طلاب الجامعة الناجحين أكاديمياً ومهنياً ومنفتحين على الحوار مع الغرب. لكن هذا المسار تعرض لانقطاع حاد مع الغزو الأميركي للعراق، ومن ثم مع الثورة السورية، حيث عادت صورة الإسلاميين المقاتلين، خارج الدولة. للسيطرة على الخيال الجمعي، وكأن كل التحولات السابقة قد مُحيت.

لكن ما حدث في شمال سوريا، وخاصة في تجربة إدلب، أنتج مساراً فريداً هناك. ولم يقتصر الأمر على العمل العسكري، بل ظهرت بيئة أنتجت نخبة جديدة، درست في الجامعات المحلية والمؤسسات الناشئة، واكتسبت خبرة عملية في الإدارة والتنظيم. هذه النخبة، رغم الاعتراف الأكاديمي المحدود بشهاداتها، تمكنت من فرض حضورها من خلال قدرتها على إدارة المناطق، وتنظيم التشكيلات، والدخول في مفاوضات مع أطراف دولية تعاملت معها بجدية متزايدة. وكان من أبرز تعبيرات هذا التحول ظهور شخصيات من هذه البيئة. وفي المحافل الدولية، مثل اجتماعات «دافوس»، حيث دار نقاش مباشر بين الشيباني كممثل لهذه النخبة الجديدة من جهة، وتوني بلير كممثل للنخبة السياسية الغربية من جهة أخرى، في مشهد كان من الصعب تصوره قبل سنوات قليلة.

هذا التحول حدث بهدوء وبعيداً عن الأضواء في إدلب، وهو ما شكل صدمة للجمهور السوري. وبينما كان من الممكن فهم انتقال «الواعظ» إلى فضاء المجتمع، فإن التحرك نحو فضاء السياسة الدولية يبدو أكثر إرباكا، وهنا، لم يعد الإصرار على المسميات القديمة مجرد موقف، بل أصبح آلية دفاع نفسي، تحاول تثبيت صورة لم تعد مطابقة للواقع.

المفارقة أن هذا الفاعل الجديد قوي داخليا، لأنه يعرف المجتمع الذي خرج منه ويشاركه منظومة قيمه، وقوي خارجيا، لأن الأطراف الدولية تدرك أنه المسيطر فعلا على الأمور. في المقابل، يبدو أن بعض معارضيه يجدون صعوبة في إدراك هذا التحول، لذا يواصلون استحضار صور قديمة تمنحهم الوضوح النفسي، لكنها تبعدهم عن الواقع.

وبهذا المعنى فإن المسألة لا تكمن في الدفاع عن هذا النموذج أو رفضه، بل في القدرة على فهمه. واليوم، لا يواجه الخصم خصمه بقدر ما يواجه صعوبة في الاعتراف بأن هذا الخصم تغير، وأن العالم كله تغير في تعامله معه. ومن يصر على إنكار هذا التغيير لا يخاطر بسوء التقدير السياسي فحسب، بل يجد نفسه أيضاً، دون أن يدري، في الموقف الذي كان ينسبه إلى خصمه: خارج الزمن، وفي كهف الماضي، في حين أن من كان هناك ذات يوم أصبح الآن لاعباً دولياً مهماً.

#بين #الجولاني #في #إدلب #والشرع #في #أنطاليا

بين الجولاني في إدلب والشرع في أنطاليا

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – بين الجولاني في إدلب والشرع في أنطاليا

المصدر : www.enabbaladi.net

.