دستور نيوز
المحامي أسامة العرب
في كل عام، تعود ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية ليس كحدث تاريخي فحسب، بل كبوصلة أخلاقية وسياسية تكشف مدى الهشاشة التي يمكن أن تصل إليها الأمة عندما يتفوق التعصب على الدولة، وتتقدم الهويات الفرعية على فكرة المواطنة. هذه الذكرى، في لحظة لبنانية مضطربة جداً، لا تأتي لاستحضار الأحقاد أو نبش الجراح، بل لتذكرنا بأن الحرب لم تكن مصيراً غامضاً سقط من السماء، بل مساراً تراكمياً خلقته الانقسامات وانهيار الثقة وضعف المؤسسات وتغذية المخاوف المتبادلة.
وتتضاعف أهمية الذكرى اليوم أيضاً، لأن لبنان يعيش ما يمكن تسميته باختبار البقاء السياسي والاجتماعي. فالجنوب ينزف ويتعرض للاحتلال تحت وطأة الهجمات الإسرائيلية، ويُقتلع الناس من منازلهم ويُدفعون إلى نزوح قاسٍ في بلد أنهكته بالفعل أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة في تاريخه الحديث. وفي مثل هذا السياق، يصبح الخوف مادة يومية: الخوف على الأمن، والخوف على لقمة العيش، والخوف على المستقبل، والأخطر من ذلك الخوف على استمرارية المؤسسات الدستورية نفسها وقدرتها على القيام بوظائفها الأساسية.
من منظور العلوم السياسية، عندما تتراجع قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الخدمات والحماية، فإن الفراغ لا يبقى فارغا: بل يتم ملؤه بشبكات الولاء الضيقة، أو الاقتصاد غير الرسمي، أو خطابات التعبئة. وهنا بالذات، لا يصبح العيش المشترك شعاراً بناء، بل وظيفة سياسية للحفاظ على المجتمع من التشرذم، والدولة من الوقوع في منطق «الجزر» الطائفية المناهضة.
عندما تتحول الطوائف إلى «مجموعات أمنية»، فإن القلق الذي يسيطر على فئات اللبنانيين ليس أمراً عابراً. وفي مجتمعات متعددة، يتحول الخوف إلى قوة دافعة للسياسة عندما يشعر كل طرف أن أمنه يعتمد على ضعف الطرف الآخر، أو أن الدولة لم تعد قادرة على ضمان العدالة المتساوية. ومن ثم تصبح الطائفة -وليس الدولة- هي المرجعية، ويصبح «الولاء» بديلاً عن «الحق»، و«الحماية» بديلاً عن «القانون». وهذا التحول هو البوابة التي عبر منها لبنان سابقاً إلى الاقتتال الطائفي والمذهبي، وهو الخطر الذي يجب قطعه اليوم من دون تردد.
ومن حق المواطن – بل هو في قلب العقد الاجتماعي – أن يكون له نظام يضمن السلم الأهلي والأمن وحسن الجوار الداخلي بين الفئات والتفاعل البناء بين المكونات اللبنانية. وهذا ليس ترفاً سياسياً، بل هو شرط للاستقرار الاقتصادي، وإعادة بناء الثقة، وحماية المجال العام من الانفجار. فالتعايش لا ينجح بالنوايا الطيبة وحدها، ولا بالخطابات الموسمية. ولكي تتحول إلى واقع لا بد من تحويلها إلى سياسة عامة تترجم إلى ثلاثة مستويات مترابطة:
1. مستوى الهوية الوطنية: تأكيد فكرة أن لبنان هو الولاء الأول والأخير، وأن أي ولاء خارجي – مهما كانت مبرراته – عندما يتقدم على الدولة يتحول إلى عامل انقسام دائم.
2. المستوى المؤسسي: حماية المؤسسات الدستورية من التعطيل، لأن تعطيلها يفتح الباب أمام «توازنات الشارع» و«الشرعية الفعلية»، وهي البيئة المثالية لتكرار منطق الحرب.
3. مستوى الخطاب السياسي: إنهاء لغة الخيانة المتبادلة، لأن الخيانة تخرج الخلاف من مجال السياسة إلى مجال الوجود، وعندما يصبح الخلاف وجوديا تصبح التسوية خيانة، وتصبح السياسة مقدمة للعنف.
في هذه الذكرى المظلمة، لا يكفي استنكار الفتنة؛ نحن بحاجة إلى فهم كيفية صنعها. الفتنة تنتجها آلة متكاملة: الإشاعة، والتحريض، واستثمار الجراح، وتضخيم الأحداث، وتقديم «الطائفة» بديلاً عن الدولة. وفي لحظات الضعف الوطني، قد تتدخل «أصابع» خارجية أو داخلية لتأجيج الانقسام، لأن المجتمع المنقسم يسهل السيطرة عليه وتوجيهه. لذلك فإن إزالة عوامل الانقسام يجب أن تكون مشروعاً يومياً: في الإعلام، في المدارس، في المنابر الدينية، وفي خطاب الأحزاب قبل الآخرين. والأهم هنا هو حماية الجيل الجديد من تكرار التجربة: ليس بالوعظ، بل ببناء دولة تقنع الشباب بأن حقوقهم تتحقق بالمواطنة وليس بالمحسوبية، وبالقانون وليس بالسلاح، وبالمؤسسات وليس بالخوف.
في هذه الذكرى الأليمة، نقف إجلالاً لكل إنسان سقط ضحية حرب استهدفت وحدة لبنان وكيانه، وإجلالاً لكل فرد من أفراد الجيش والقوى الأمنية الذين يدفعون حياتهم وسلامتهم ثمناً لاستمرار الحد الأدنى من الاستقرار. في علم الدولة، المؤسسة العسكرية الشرعية ليست مجرد قوة أمنية؛ وهو رمز احتكار الدولة للعنف المشروع، ومعيار وجود السيادة الداخلية. ولذلك فإن الالتفاف حول الجيش وقوى الأمن – ضمن الدستور والقانون – هو دفاع عن فكرة الدولة نفسها، وليس فريق ضد فريق. لكن الانعطاف الواعي يعني أيضاً: تحييد هذه المؤسسات عن السجالات، وتقديم الدعم السياسي والمالي والقانوني لها، بما يحفظ مهنيتها، ويمنع تحولها إلى ساحة لتصفية الحسابات.
إن الدعوة إلى الاعتدال والاعتدال والحوار البناء ليست دعوة للتنازل عن الحقوق أو تمييع الخلافات. بل هو اعتراف بأن إدارة التعددية لا تنجح بمنطق التفوق. وفي اللحظات الحاسمة، تصبح “العقلانية السياسية” هي القدرة على خفض مستوى التوتر، وإعادة الخلاف إلى الطاولة المؤسسية، وربط الجميع بالمصلحة العامة القابلة للقياس: أمن الشعب، واستمرار الدولة، ووقف الانهيار، وحماية السلم المدني. ومن هذا المنطلق، فإن تحصين منصب رئيس الوزراء ودار الإفتاء، كجزء من التوازن الوطني والمرجعية الدستورية والروحية، يجب أن يفهم على أنه تحصين لفكرة الدولة وليس تمكيناً لطائفة على أخرى. فالدولة لا تبنى بكسر مكون، بل بإقناع كل مكون بأن الدولة تحميه بقدر ما تلزمه بالقانون.
وفي الختام، المصير المشترك ليس نصاً في الدستور ولا شعاراً في المناسبات. وهو قرار يومي تنتجه السياسات ويدمره التحريض. إذا علمتنا الحرب الأهلية أي شيء، فهو أن الانحدار يبدأ عندما يقتنع الناس بأنه لا مستقبل لهم إلا داخل حواجزهم. أما الخروج من المأزق، فهو يبدأ بفكرة بسيطة وعميقة: لا خلاص لطائفة من دون الدولة، ولا دولة من دون شراكة، ولا شراكة من دون اعتدال يرفض الخطاب الطائفي والمذهبي الذي يفتت الأمة ويمزقها. في ذكرى الحرب، لا نريد سجالات لا نهاية لها، لأن النقاش عندما يتحول إلى هوية، يلتهم المجتمع والدولة على السواء. ما نحتاج إليه حقاً هو إعادة الثقة: في المؤسسات الدستورية، وفي القانون، وفي قدرة اللبنانيين على الاختلاف دون قتال – والتنافس دون خيانة – والتنويع داخل الوطن الواحد، لا فوقه ولا على حسابه.
أسامة العرب
#في #ذكرى #الحرب #الأهلية #العيش #المشترك #شرط #لبقاء #لبنان
في ذكرى الحرب الأهلية: العيش المشترك شرط لبقاء لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – في ذكرى الحرب الأهلية: العيش المشترك شرط لبقاء لبنان
المصدر : www.elsharkonline.com
