دستور نيوز
جيمي فرانسيس
الأربعاء 15 أبريل 2026 – 09:22
المصدر : نداء الامة
في لبنان، احترام الدستور لا يقاس بكثرة الحديث عنه، بل بتوقيت هذا الحديث. والدستور هنا لا يتم الاستشهاد به دائما كمرجعية ثابتة، بل غالبا ما يتم الاستناد إليه كأداة ظرفية، يُرفع عندما يخدم، ويُهمل عندما يُهدد.
لذلك، عندما ترتفع اليوم أصوات تتهم رئيس الجمهورية جوزف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، بخرق الدستور والقوانين، فالسؤال ليس عما يقولان، بل عن تاريخهما مع هذا الدستور ذاته والقوانين نفسها، وكيف تعاملا معها عندما كانت موازين المساءلة موجهة نحوهما أو نحو حلفائهما.
المفارقة هنا لا تكمن في مضمون الاتهام، بل في هويته المطلقة، لأن هؤلاء الأشخاص أنفسهم كانوا لسنوات طويلة رأس الحربة في عرقلة أي طريق للمحاسبة، مستخدمين نفس النصوص الدستورية والقانونية التي يعتمدون عليها اليوم، ولكن بهدف معاكس تماما.
ولم يكن الدستور والقوانين في ذلك الوقت أداة لتحقيق العدالة، بل وسيلة لإغلاق أبوابها بإحكام، وكان المفتاح الأبرز في هذه العملية هو “المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء”.
من الناحية النظرية، يبدو هذا المجلس ضمانة دستورية ضد الإفلات من العقاب، لكنه تحول عمليا إلى آلية معقدة تجعل المساءلة شبه مستحيلة. كلما اقترب القضاء القضائي من ملف يمس وزيراً أو رئيساً، يرتفع في وجهه حاجز «عدم الاختصاص»، لأن السلطة هي المجلس الأعلى.
وهنا تبدأ الحلقة المفرغة. مجلس النواب لا يعزل، لأن الاتهام يحتاج إلى أغلبية الثلثين، والمجلس الأعلى لا ينعقد، لعدم إحالة أي ملفات إليه، والقضاء القضائي ممنوع من السير لأنه «غير مختص»! وكانت النتيجة دائماً هي نفسها: “لا مساءلة”.
وبهذه الآلية مرت ملفات كبيرة دون أي محاسبة جدية. وفي قطاع الكهرباء، أنفقت مليارات الدولارات بينما ظلت البلاد غارقة في الظلام. ومع ذلك، لم يتم فتح أي إجراء قضائي فعلي ضد المسؤولين.
وفي مشاريع السدود، أثيرت أسئلة كبيرة حول الجدوى والإنفاق، لكنها انتهت إلى لا شيء.
وفي قطاع الاتصالات والصفقات العامة، تكررت الاتهامات، لكن المسار نفسه كان يغلق في كل مرة.
أما السياسات المالية التي أدت إلى الانهيار، فبقيت المسؤوليات مجهولة، لأن المسار الدستوري لذلك كان مسدوداً سياسياً.
ثم جاء انفجار مرفأ بيروت، الحدث الذي كان من المفترض أن يكسر كل هذه القواعد، كارثة بحجم وطن، ومسؤوليات لا يمكن التغاضي عنها. لكن السلوك لم يتغير، وعندما اقترب التحقيق من مسؤولين سياسيين، عاد الخطاب نفسه: «التمسك بالحصانات، وتحدي صلاحيات القضاء القضائي، والإصرار على أن السلطة هي المجلس الأعلى».
ولم يكن ذلك تطبيقاً للدستور والقوانين بقدر ما كان استخداماً لها كدرع، ونتيجة هذا الإصرار تعرض التحقيق لعرقلة متكررة، وكاد يفرغ من محتواه، ليس لغياب الحقائق، بل لأن الطرق المؤدية إليه كانت مغلقة.
اليوم، في لحظة سياسية مختلفة، يتحول الخطاب، ومن تمسّك بالمجلس الأعلى عائقاً أمام المساءلة، يقدمه الآن كأداة لها، فحين يطالبون بمحاسبة الرؤساء ومن رفض رفع الحصانات، يتحدثون عن ضرورة تطبيق القانون، ومن اعتبروا القضاء القضائي غير كفؤ، يلوحون بالمحاسبة وكأنها طريق سهل ومتاح. وهنا بالضبط تظهر سخرية المشهد والمصير، ليس لأن الاتهام في حد ذاته غير قابل للنقاش، بل لأن الطريق الذي يطالبون بسلوكه هو نفس الطريق الذي حرصوا على جعله مستحيلا.
وإذا كان لا بد من التعامل مع هذا الاقتراح بجدية، فإن أبسط رد عليه هو الالتزام بالقواعد التي تم وضعها سابقاً. والمحاسبة، وفق هذا المنطق، تبدأ من مجلس النواب حيث يجب تأمين أغلبية الثلثين للإقالة، ثم تنتقل إلى المجلس الأعلى الذي يفترض تشكيله ومباشرة عمله. وهذا هو المسار الدستوري الذي استخدم منذ زمن طويل لتبرير عرقلة القضاء القضائي، وهو نفس المسار المطروح اليوم لمحاسبة رئيسي الجمهورية والحكومة. لكن المشكلة هي أن هذا المسار، كما أثبتت التجربة، لا يؤدي إلى نتائج، لأنه مرتبط بتوازنات سياسية تجعل تحقيقه شبه مستحيل.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الأداة التي استخدمت لعرقلة العدالة أصبحت اليوم عائقاً أمام من يريد استخدامها في الاتجاه المعاكس. فالنظام الذي بني على الحصانات والتوازنات لا يمكن أن يتحول فجأة إلى نظام محاسبة فعلي بمجرد تغير المواقف. وما كان مستحيلاً بالأمس يظل مستحيلاً اليوم، طالما أن القواعد نفسها لم تتغير.
وفي الختام، فإن ما يجري اليوم لا يبدو جدلا دستوريا بقدر ما هو انعكاس لمنهجية سياسية راسخة، تستخدم النصوص عند الحاجة، وتعطيلها عند الضرورة. لكن هذه المنهجية تحمل في ذاتها تناقضها، لأنها تنتج واقعا لا يسمح بمحاسبة أحد، حتى لمن يطالب به. وهكذا فإن الذين ساهموا في بناء نظام الإفلات من العقاب يجدون أنفسهم أسرى له، غير قادرين على التغلب عليه عندما يريدون محاسبة معارضيهم.
لذلك، قبل التلويح بالدستور والقوانين اليوم، ربما يكون من المفيد الإجابة على سؤال واحد: كيف تحول المجلس الأعلى، الذي قدم ذات يوم كضمان للمحاسبة، إلى أداة لعرقلتها؟ لأن الجواب على هذا السؤال وحده يكفي لتفسير كل ما يجري الآن، ولإظهار أن ما يبدو صراعا على الدستور ليس في الواقع سوى صراع على استخدامه.
وفي بلد مثل لبنان، حيث تتكرر الحقائق أكثر مما تتغير، تبقى الحقيقة الأوضح: «من يستخدم القانون لعرقلة العدالة سيجد نفسه غير قادر على استخدامه لتحقيقها».
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#كرمة #المجلس #الأعلى #ما #زرعته #دستوريا #ستحصده #سياسيا #صوت #لبنان #صوت #لبنان
كرمة المجلس الأعلى: ما زرعته دستورياً ستحصده سياسياً – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – كرمة المجلس الأعلى: ما زرعته دستورياً ستحصده سياسياً – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
