.

اراء و اقلام الدستور – كيف يعاد تشكيل لبنان في زمن المفاوضات والتسويات الكبرى؟ – صوت لبنان – صوت لبنان

سامر الشخشير15 أبريل 2026
اراء و اقلام الدستور – كيف يعاد تشكيل لبنان في زمن المفاوضات والتسويات الكبرى؟ – صوت لبنان – صوت لبنان


دستور نيوز

انطوان العويط

الأربعاء 15 أبريل 2026 – 09:21

المصدر: صوت لبنان

لبنان اليوم ليس على هامش ما يجري في المنطقة، بل في قلبه. ليس كلاعب حاضر بالكامل، ولا كضحية صامتة، بل ككيان معلق بين أن تدار بإرادة الآخرين، أو ينهض من أعماق نفسه. هذه الازدواجية التي حكمت المشهد حتى الأمس، ليست وصفاً عابراً، بل هي معادلة وجودية تحكم مسارها وسقف إمكانياتها. وهو في لحظته الحالية لا يعيش خارج التحولات، بل داخلها، ولا يتلقى تداعياتها فحسب، بل يتشكل بإيقاعها.
ولم تكن العواصف في تاريخ هذا البلد حدثا عرضيا، بل كانت نمطا متأصلا في تطوره السياسي الحديث. لكن ما يميز المرحلة الحالية هو أن الإعصار الضارب لم يعد محليا، ولا حتى إقليميا، بالمعنى التقليدي. بل أصبح جزءاً من تحول بنيوي أوسع تتم فيه إعادة صياغة ميزان القوى وإعادة رسم الخرائط، في أعقاب مستوطنات كبرى تتجاوز الجغرافيا المباشرة. بعضها معلن، بينما معظمها يُدار في الظل، من خلال تفاهمات منقوصة ومقاربات متغيرة لمفهوم النفوذ ذاته.
في مثل هذه اللحظات، لا يقتصر السؤال على كيفية بقاء لبنان، بل كيف يخرج مختلفاً. كيف يعاد اختراعها، ليس كفكرة رومانسية، بل كضرورة سياسية، وكيف يتغير موقفها من الذات المنكسرة إلى الوضع القادر على الفعل، إذ لم تعد مسألة بقاء سلبي، بل أصبحت مسألة وجود أو عدم وجود.
وهذا التحول، رغم دقته وتعقيده، يحمل فرصة للانتقال من ساحة معتادة إلى طرف مفاوض فاعل بمفرده، وقد بادر لبنان إلى ذلك ونجح وأحسن في تغيير جذري في الوعي والوظيفة.
وعندما يتم قبول المفاوضات المباشرة، فذلك بفضل من قام بالحرب، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ومن دون أوهام وأحلام وردية، يتم تقديم هذا المسار الطويل والشائك كأداة محتملة لاستعادة القرار الوطني من جهة، والحقوق المهدورة من جهة أخرى، في ظل انهيار الخيارات التي اعتمدت خارج إطار الدولة مرة ومرتين وأكثر من ذلك، ما ساهم في ترسيخ واقع متأزم، وأدخل البلاد في دوامة الإرهاق السياسي والاقتصادي والعسكري والسيادي المتزايد.
بموضوعية مجردة، لا يمكن إنكار أن السيادة الوطنية في لبنان تعرضت لتآكل وتطفلات وانتهاكات وإهانات مطولة، إذ تشابك الداخلي والخارجي، وتضافرت عوامل الضعف البنيوي مع تدخلات متكررة أعادت تشكيل التوازن الداخلي أكثر من مرة.
لكن هذا الواقع، مهما كان قاسيا، لا يواجه بشعارات أو بمحاولات القفز فوقه، بل بتفكيكه وإعادة تجميع عناصره ضمن نهج سياسي لبناني، قرار مستقل، قاطع بمفهوم وحدة الساحات، وقابل للتقدم.
وفي الوقت نفسه، تتطلب الواقعية السياسية الاعتراف بأن زمن التشابك الإقليمي والدولي، بكل ما يحمله من عنف وحروب ومصالح متداخلة، قد يجعل عملية استعادة الحقوق في وقت واحد صعبة، مهما كانت مشروعيتها. المسار في مثل هذه السياقات تراكمي، حيث يتم بناء المكاسب خطوة بخطوة، ويتم استعادة المناصب والحقوق شبرًا شبرًا وحفنة حفنة.
ومن هذا المنطلق فإن التفاوض ليس فعل استسلام، بل هو استعادة لبنان بقرار سيادي متحرر من الهيمنة الطويلة الأمد، في وقت تنهار فيه البدائل وتضيق سبل البقاء، وكوسيلة لإعادة تموضعه ضمن معادلات تتجاوز قدرة أي طرف بمفرده على السيطرة عليها. ولا يُقرأ على أنه تنازل عن الهدف، بل كجزء من استراتيجية تقدمية لاستعادة القدرة على التأثير والتغيير.
وفي هذا السياق، فإن المطلوب من لبنان اليوم أن يثبت نفسه أكثر كدولة لها قرارها، وقد فعلت ذلك، وأن يحول هذا القرار إلى مسار قابل للتطور، وليس إلى موقف ظرفي أو شعار سياسي معلق. ولا يمكن فصل ذلك عن إعادة تنظيم مفهوم الدولة ووظيفتها في الداخل.
ولا يمكن لهذا المسار أن يستمر دون استكمال شرطه الأساسي وهو قيام سلطة دولة فعلية. فالتفاوض في غياب مركز واضح لاتخاذ القرار قد يتحول إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من التغلب عليها. لكن عندما يصدر عن دولة تستعيد أدوات صنع القرار تدريجياً، فإنه يصبح جزءاً من عملية إعادة المركزية، وليس نهايتها.
في هذا السياق، شهد لبنان، للمرة الأولى منذ فترة طويلة، محاولة داخلية للسيطرة من جديد على مقاليد السلطة. وهذا نقلة نوعية. عندما يطرح مبدأ إعادة قرار الحرب والسلام بشكل واضح، ويعاد التأكيد على حصرية السلاح بيد الدولة، وتعتبر أي قوة مسلحة خارج إطار الجيش خارجة عن القانون، ويتم السيطرة على العاصمة أمنيا، وفصل المسار اللبناني عن المسارات الأخرى، فإننا سنواجه محاولة جادة لإعادة تعريف الدولة كمرجعية.
صحيح أن هذه التحولات لا تزال في مرحلة النية وليس التنفيذ، وصحيح أن قدرتها على الترجمة تصطدم بواقع داخلي غامض وخطير للغاية، لكن الأهم من ذلك أنها تشكل بداية اتجاه جديد. لذلك يصبح السؤال أكثر دقة. وفي ظل هذا الكم من التعقيدات الداخلية، هل ينجح لبنان في أن يرتب لنفسه مقاربة واعدة في المفاوضات الصعبة، تهدف إلى استعادة قدر كبير مما فقده بتكاليف باهظة على مختلف المستويات؟
وهذا ما يبدو أننا نتجه نحوه. لقد كسر لبنان أسره بيديه، ولم يعد أمامه خيار العودة إلى الماضي ولا ترف الاستمرار على ما هو عليه. فهو يتقدم في منطقة انتقالية، حيث كل تأخير يرفع التكلفة، وكل خطوة محسوبة تفتح هامشاً على طريق مغلق. الذكاء السياسي هنا لا يكمن في إنكار العاصفة، بل في إدارة الوضع داخلها بما يمنع الانهيار الكامل ويؤسس لإمكانية الخروج منه.
في هذه المسافة بين الواقع السابق وإرادة الحاضر، وفي اللحظة بين الانكشاف وإعادة التشكيل، يُكتب مستقبل هذا الكيان، ويتحدد ما إذا كان لبنان سيبقى موضوعاً تُروى عنه الحقائق، أو فاعلاً يعيد صياغة روايته بنفسه داخل التاريخ، لا على هامشه… وهو على مشارف النهضة والاكتمال.

المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها

#كيف #يعاد #تشكيل #لبنان #في #زمن #المفاوضات #والتسويات #الكبرى #صوت #لبنان #صوت #لبنان

كيف يعاد تشكيل لبنان في زمن المفاوضات والتسويات الكبرى؟ – صوت لبنان – صوت لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – كيف يعاد تشكيل لبنان في زمن المفاوضات والتسويات الكبرى؟ – صوت لبنان – صوت لبنان

المصدر : www.vdl.me

.