.

اراء و اقلام الدستور – سوريا في حالة “مؤقتة”.. هل تائهة البلاد بين الفساد والصفقات السرية؟

سامر الشخشير12 أبريل 2026
اراء و اقلام الدستور – سوريا في حالة “مؤقتة”.. هل تائهة البلاد بين الفساد والصفقات السرية؟


دستور نيوز

خالد المطلق

هل محكوم على السوريين الخروج من نفق الاستبداد المظلم والدخول في أروقة “السلطات المؤقتة” التي تديم الفشل باسم الثورة؟ ولم يعد هذا السؤال مجرد سؤال نظري، بل هو الألم اليومي الذي يعيشه الشعب السوري بمختلف أطيافه. وبعد سنوات طويلة من الصراع والتضحيات الكبيرة، كان من المتوقع أن تشرق شمس المؤسسات الوطنية الشفافة، لكن الواقع جاء بمثابة الصدمة، حيث تشابكت المصالح الضيقة مع الفساد الإداري الموروث من النظام المجرم البائد وأدواته التي لا تزال تدير الكثير من هذه المؤسسات، ولو بشكل غير مباشر، واضعة مستقبل البلاد على شفا هاوية جديدة.

إن استشراف المستقبل السوري اليوم يتطلب مواجهة الواقع القاسي من دون تجميل، وتحليل أداء السلطة الانتقالية ليس باعتباره قدراً محتوماً، بل كمسار يحتاج إلى تصحيح جذري قبل فوات الأوان. وبدلاً من أن تكون «السلطة الانتقالية» رافعة وطنية ترد على السوريين ثمن سنوات الحرمان التي عاشوها، حولت في كثير من مفاصلها إلى حمل ثقيل يديم سياسة «إدارة الأزمات» بدلاً من حلها. ونتيجة لذلك، لم يرى المواطن تحسناً حقيقياً في الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والكهرباء، بل وجد نفسه أمام نظام إداري تقوضه البيروقراطية. والفساد، وخطورته تكمن في أن الفساد لم يعد حالات معزولة، بل تحول إلى «ثقافة مؤسسية» تحمي المستفيدين وتستبعد الشرفاء، ما أدى إلى شرخ عميق وفقدان تام للثقة بين الشارع ومن هم في مقدمة المشهد السياسي.

وفي الوقت الذي تستصرخ فيه الجغرافيا السورية العقول والخبرات لإعادة الإعمار وترميم النسيج المجتمعي، نجد أن السلطة تنتهج سياسة “تشتيت” الكفاءات الوطنية. بل على العكس من ذلك، فهي تعتمد على معايير الولاء الشخصي وتعيين شخصيات تفتقد الرؤية السياسية أو الخبرة الإدارية. بل إنه يمهد الطريق أمام المتطرفين وبقايا النظام السابق لتولي مناصب حساسة. وهذا المسار لا يضعف الدولة فحسب، بل يبعث برسالة يائسة للشباب السوري المتعلم مفادها “لا مكان لكم في بناء بلدكم”، وهو ما يعزز هجرة العقول السورية إلى الخارج، ويجعل المؤسسات هياكل هشة تخدم أجندات ضيقة وليس مشروعاً وطنياً شاملاً.

ومن المعروف أن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يبنى دون قاعدة اقتصادية متينة، لكن الواقع السوري اليوم يشهد تراجعاً مخيفاً للمستثمرين، والسبب ليس أمنياً فقط، بل “فساد الدوائر القريبة من مراكز صنع القرار”. كما أن المستثمر المحلي قبل الأجنبي يتعرض لعمليات ابتزاز ممنهجة وضغوطات لا أساس لها من القانون، ما جعل البيئة السورية “طاردة لرأس المال”. إن غياب الأمن القانوني وضياع حقوق المستثمرين في أروقة الرشوة يؤدي إلى شلل اقتصادي كامل يرفع معدلات البطالة ويمنع أي عملية تنمية حقيقية. مما يترك المواطن البسيط وحيدا في مواجهة ارتفاع الأسعار والفقر.

أعتقد أن أحد الملفات الأكثر إيلاما هو ملف السيادة الوطنية. وبينما تتكرر الانتهاكات والتوغلات الإسرائيلية في العمق السوري، تكتفي السلطة المؤقتة بصمت مريب يثير آلاف التساؤلات. إضافة إلى ذلك، تنتشر تقارير عن قنوات اتصال سرية لا تخدم المصلحة السورية بقدر ما تخدم بقاء الأشخاص في مناصبهم. هذا الغموض في التعامل مع العدوان الخارجي يعكس ضعفاً بنيوياً وإهمالاً في سلامة الدفاع عن الأرض، ما يجعل “القرار السوري المستقل” مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي، فيما يشير الواقع إلى التبعية. تضارب الإرادات الإقليمية والدولية.

وعلى الرغم من هذا الوصف الكئيب، لا تزال لدى سوريا فرصة للبقاء إذا توفرت إرادة حقيقية للإصلاح. إن بناء “دولة المؤسسات” ليس أمراً مستحيلاً، لكنه يتطلب أولاً تفكيك أنظمة الفساد، وتفعيل دور القضاء المستقل، وفتح الباب فوراً أمام الكفاءات السورية المهجرة والمهمشة للمشاركة في القرار. ويتعين على المعارضة والقوى الشعبية أيضاً أن تمارس الضغوط من أجل عقد حوار وطني شامل يضع مصالح سوريا فوق كل اعتبار، ويعيد تعريف “السلطة” باعتبارها خادمة للشعب، وليس سيداً عليه.

وفي الختام، فإن مستقبل سوريا لا يُصنع في غرف مغلقة أو بصفقات سرية، بل يُبنى بأيدي السوريين الذين آمنوا بالتغيير ودفعوا ثمنه بدمائهم وأرواحهم. إن بقاء الوضع على ما هو عليه ليس خيارا، بل هو انتحار بطيء للوطن وللقضية العادلة التي ثار السوريون من أجلها. ولذلك فإن المسؤولية تقع على عاتق كل سوري للوقوف في وجه الفشل والفساد والمطالبة ببناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تضمن العدالة للجميع. لن يرحم التاريخ من أهمل آمال الشعب، لكنه سيخلد من ثابر. ومن ركام اليأس بنوا بيت الحرية، وعلينا أن ندرك أن القوة الحقيقية تكمن في تضامننا ووعينا، وأن سورية بحرمة ترابها وعظمة شعبها قادرة على تجاوز هذه المحنة إذا قررنا أن نكون “أصحاب القرار”.

#سوريا #في #حالة #مؤقتة. #هل #تائهة #البلاد #بين #الفساد #والصفقات #السرية

سوريا في حالة “مؤقتة”.. هل تائهة البلاد بين الفساد والصفقات السرية؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – سوريا في حالة “مؤقتة”.. هل تائهة البلاد بين الفساد والصفقات السرية؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.