.

اراء و اقلام الدستور – من اتفاقيات جنيف إلى الواقع اللبناني: هل الحماية الدولية للصحافيين كافية؟

سامر الشخشير11 أبريل 2026
اراء و اقلام الدستور – من اتفاقيات جنيف إلى الواقع اللبناني: هل الحماية الدولية للصحافيين كافية؟


دستور نيوز

بقلم المحامي عمر الزين
الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب
تشكل حرية الصحافة إحدى الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي حديث، إذ يقوم الإعلام بوظيفة أساسية في نقل الحقائق وكشف الانتهاكات وإرساء مبادئ الشفافية والمساءلة. إلا أن ممارسة هذه الرسالة النبيلة لا تخلو من المخاطر، إذ غالباً ما يجد الإعلاميون والصحفيون أنفسهم عرضة لتهديدات خطيرة، خاصة في بيئات الصراع أو في الأنظمة التي تكون فيها مساحة الحريات محدودة. ومن هذا المنطلق، برزت الحاجة إلى إنشاء إطار قانوني دولي يضمن حمايتهم ويوفر لهم بيئة آمنة لممارسة مهنتهم دون تخويف أو قيود.
وفي هذا السياق، وضعت الأمم المتحدة، من خلال نظامها القانوني، مجموعة من القواعد التي تعزز حرية التعبير وتوفر الحماية للصحفيين، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، الذي كرّس في مادته التاسعة عشرة حق كل فرد في حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك حرية تبادل المعلومات والأفكار ونقلها بمختلف الوسائل. وجاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ليؤكد هذا الاتجاه، من خلال إلزام الدول بضمان ممارسة هذا الحق بعيداً عن القيود التعسفية أو غير المبررة.
وفي حالات النزاع المسلح، تصبح حماية الصحفيين أكثر إلحاحا، حيث حددت اتفاقيات جنيف وضع حماية الصحفيين كمدنيين، طالما أنهم لا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال العدائية، وهو ما نص عليه أيضا البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، الذي يطالب أطراف النزاع باحترامهم وضمان سلامتهم. ويعتبر أي هجوم متعمد عليهم انتهاكا خطيرا لقواعد القانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب.
من ناحية أخرى، لعبت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) دورا محوريا في دعم سلامة الصحفيين، من خلال المبادرات الدولية الرامية إلى الحد من الإفلات من العقاب ودفع الدول إلى اعتماد أطر تشريعية وطنية أكثر فعالية في حمايتهم. كما تواصل مراسلون بلا حدود جهودها لتوثيق الانتهاكات ورصد واقع حرية الصحافة عالمياً، وتسليط الضوء على التحديات القائمة.
وفي هذا السياق، يبرز الوضع في لبنان كمثال مقلق على تفاقم المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون، في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية المتداخلة. ويشهد لبنان في السنوات الأخيرة تصاعدا ملحوظا في الانتهاكات ضد الإعلاميين، تمثلت بالاعتداءات الجسدية والملاحقات التعسفية، فضلا عن الضغوط السياسية التي تقوض استقلالية العمل الصحفي. كما ساهمت حالة الإفلات من العقاب وضعف فعالية الجهاز القضائي في خلق بيئة غير آمنة لممارسة العمل الإعلامي، بما يخالف التزامات الدولة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خاصة فيما يتعلق بضمان حرية التعبير وحماية الأفراد من أي اعتداء.
ولا يقتصر الخطر على الانتهاكات المباشرة، بل يمتد إلى غياب إطار تشريعي حديث يواكب التحولات الرقمية ويضمن حماية الصحفيين سواء في الفضاء التقليدي أو الإلكتروني. وكثيراً ما تُستخدم النصوص الحالية لتقييد حرية التعبير بدلاً من حمايتها، وذلك من خلال توسيع نطاق التجريم أو فرض عقوبات غير متناسبة، مما يفرغ الضمانات الدستورية من محتواها.
لذلك، فإن حماية الصحفيين في لبنان تتطلب اعتماد مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية، بدءاً بإصلاح الإطار التشريعي وفق المعايير الدولية، وتعزيز استقلال القضاء لضمان محاسبة مرتكبي الانتهاكات، وإنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب. كما يجب على الدولة تفعيل آليات الحماية الوقائية، بما في ذلك تدريب القوات الأمنية على احترام حرية العمل الصحفي، وإنشاء آليات وطنية لرصد الانتهاكات والاستجابة السريعة لها، بالتعاون مع الهيئات الدولية، وأبرزها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
ولا يقل أهمية عن ذلك دعم دور المجتمع المدني والمنظمات الدولية، مثل منظمة مراسلون بلا حدود، في توثيق الانتهاكات والضغط من أجل تحسين واقع الحريات الإعلامية. إن تعزيز حماية الصحفيين في لبنان ليس التزاما قانونيا دوليا فحسب، بل هو أيضا بوابة أساسية لإعادة بناء الثقة في المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، وضمان حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.
وعلى الرغم من هذا الهيكل القانوني الدولي المتين، تظل المشكلة الأبرز هي مدى التزام الدول بتنفيذ هذه القواعد على أرض الواقع. ويعكس الاستهداف المستمر للصحفيين، وانتشار ظاهرة الإفلات من العقاب، فجوة مثيرة للقلق بين النصوص القانونية والتنفيذ الفعلي. وهذا يفرض ضرورة تعزيز آليات المساءلة سواء على المستوى الوطني أو الدولي، بما في ذلك إمكانية اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية عند ارتكاب انتهاكات جسيمة.
وفي الختام، فإن حماية الإعلاميين والصحفيين ليست واجبا قانونيا فحسب، بل تمتد لتشكل قاعدة أخلاقية وإنسانية لضمان الحفاظ على الحقيقة في مواجهة محاولات التضليل والقمع. إن المعيار الحقيقي لحرية الصحافة لا يكمن في النصوص المعلنة، بل في قدرة الصحفيين على ممارسة مهنتهم في بيئة آمنة تضمن لهم الكرامة والاستقلال، وهو ما يعكس في جوهره مدى احترام الدول لسيادة القانون وحقوق الإنسان.
من جهة أخرى، فإن الصحافيين والمحررين والإعلاميين في لبنان، خاصة في هذه الظروف القاسية التي يمر بها، مطالبون بضمان وحدة الوطن وحمايته من الإرهاب، والعمل على تعميم مساحات الحوار المجتمعي وتعزيز المواطنة في مواجهة التطرف، وتشجيع المبادرات المتعلقة بالحوار والعيش المشترك التي تحافظ على الصيغة اللبنانية وميثاقها، والامتناع عن إعلان التصريحات والمواقف المتطرفة التي تؤدي إلى الخلافات والفوضى التي من شأنها زعزعة الأمن. وطني…
المحامي عمر الزين

#من #اتفاقيات #جنيف #إلى #الواقع #اللبناني #هل #الحماية #الدولية #للصحافيين #كافية

من اتفاقيات جنيف إلى الواقع اللبناني: هل الحماية الدولية للصحافيين كافية؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – من اتفاقيات جنيف إلى الواقع اللبناني: هل الحماية الدولية للصحافيين كافية؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.