.

اراء و اقلام الدستور – القضايا السورية في التحقيقات من خارج الحدود.. لماذا؟

سامر الشخشير6 أبريل 2026
اراء و اقلام الدستور – القضايا السورية في التحقيقات من خارج الحدود.. لماذا؟


دستور نيوز

علي عيد

يتساءل الصحفيون في سوريا: لماذا تظهر التحقيقات الاستقصائية عن حالات الانتهاكات والفساد داخل البلاد في وسائل الإعلام الأجنبية بدلاً من وسائل الإعلام المحلية المستقلة أو الحكومية؟

ويبرر الإعلاميون الأمر بانعدام ثقة الجمهور أو جدواه، أو بالتكاليف والإمكانات، أو بالجرأة مقابل توفير بيئة الحماية والظروف الأمنية للصحفيين أنفسهم.

كل ما سبق يطرح تساؤلات مشروعة حول غياب الصحافة المتعمقة، مقارنة بانتشار الصحافة المسيئة والسطحية، دون سياق، في وسائل الإعلام المحلية.

والسؤال الاستباقي هنا هو: هل تعتبر صحافة المساءلة أو الصحافة العميقة عدوا أم حاجة، وكيف ينظر إليها في سوريا؟

كقاعدة عامة، تعتبر الصحافة الاستقصائية مصدر إزعاج ليس فقط للسلطات، بل لجميع دوائر السلطة داخل أي مجتمع، مثل الشركات الكبرى ورجال الأعمال والسياسيين وقوى الأمر الواقع، لأنها تنافس هيئات ومؤسسات تكشف الفساد والانتهاكات، وتوفر مادة غنية يمكن أن تفتح تحقيقات واسعة قد تطيح بالحكومات أو تجر الشركات أو الأفراد إلى المحاكمة.

ومع ما سبق، تدرك الحكومات الذكية أن الصحافة الاستقصائية يمكن أن تكون أداة سيطرة مبكرة بدلاً من تحول الأزمات إلى انفجارات.

تواجه صحافة المساءلة أربعة نماذج وفقًا للدول والمجتمعات ومراكز القوة:

التوظيف الذكي: تستفيد بعض الدول من الصحافة الاستقصائية كجزء من نظام مكافحة الفساد، حيث تكشف العيوب قبل أن تتحول إلى أزمة سياسية. الكشف عن شبكات النفوذ المتضاربة التي لا تستطيع الدولة تفكيكها دائماً من الداخل.

ويساهم هذا النموذج في خفض تكاليف هيئات المراقبة، ويعزز الثقة داخليا، ويعطي إشارات إيجابية للمانحين والمستثمرين خارجيا. فبدلاً من أن تُروى القصة من الخارج، يتم إنتاجها داخليًا بتوازن أكبر.

وهذا النموذج موجود في البلدان التي تتمتع بمستوى متقدم من الحرية والقوانين والتشريعات والشفافية، وغالباً ما ينتشر على نطاق واسع في البلدان التي يتم فيها دعم الصحافة بشكل مستقل من أموال دافعي الضرائب.

الاحتواء: وتتبنى بعض الحكومات سياسة التسامح المحدود، فتدير السقف بدلاً من إغلاقه، وتستخدم التحقيقات “غير الحساسة” باعتبارها “صمام تنفيس”.
ويعتبر هذا النموذج ضارا ومضللا للرأي العام، لأنه لا يعرض الحقائق، وقد يتسبب في التلاعب بالجمهور، وتوظيف «أنصاف الحقائق»، وإخفاء ما هو أعمق وأخطر.
ونتيجة لهذا النهج، تفقد الصحافة الاستقصائية معناها الحقيقي، وتتآكل الثقة في الصحفيين والمؤسسات وحتى المحتوى على المدى الطويل.

الحظر الكامل: تنظر السلطات إلى التحقيق الصحفي باعتباره تهديدًا مباشرًا وتخشى فقدان السيطرة على السرد. وهذا النمط غالبا ما يكون سائدا في البلدان التي تفتقر إلى الشفافية وتدني مستويات الحرية.

أسباب المنع أو التضييق هي تجنب فتح ملفات غير مرغوب فيها سياسيا، والكشف عن خلل مؤسسي عميق، يتجاوز فساد الأفراد إلى فساد هياكل بأكملها.

تقدم بعض الأنظمة الحكومية مبررات للحظر، بما في ذلك الاستغلال السياسي أو الخارجي، من خلال تضخيم التحقيقات لخدمة أجندات مختلفة، أو تأثير المحتوى على الاستقرار وخلق التوترات. وفي كثير من الأحيان، تحاول هذه الحكومات أو النماذج إخفاء القضايا التي لا تستطيع معالجتها، أو لا تريد ذلك لأسباب مختلفة، بما في ذلك وجود فساد حقيقي وانتهاكات واسعة النطاق.

ونتيجة لهذا النهج، تنتقل التحقيقات إلى الخارج، وتبدأ السيطرة على السرد في فقدانه.

الكبح الذاتي: في بعض البلدان والمجتمعات، حيث لا يتم تمويلها من قبل دافعي الضرائب، تكون الصحافة الاستقصائية في حالة من ضبط النفس لأسباب تتعلق بملكية وسائل الإعلام والضغط من القوى السياسية والاقتصادية ومراكز النفوذ.

إن استحواذ الشركات ورجال الأعمال على وسائل الإعلام يؤدي إلى محاربة التحقيق وتقييده مالياً، وبالتالي دفعه نحو تقليص عمله، وهنا يأتي دور الجمهور وأصحاب المصلحة في معرفة الحقائق.

ونتيجة لهذا التوجه تتحول المؤسسات الصحفية العاملة في مجال البحث الاستقصائي إلى نموذج أشبه بالجمعيات العاجزة التي تؤمن تمويلها بصعوبة، كما أن الإقناع بالتمويل يستهلك جهود هذه المؤسسات على حساب عملها الأساسي.

السؤال هنا: أين تقع سوريا في هذه النماذج؟ وللإجابة على سؤال يطرح في بداية المقال وهو: لماذا تغيب التحقيقات الاستقصائية عن وسائل الإعلام السورية المحلية، وتظهر في وسائل إعلام أجنبية كبيرة ومعروفة؟

لا تزال سورية تعاني من مشاكل في بيئة العمل الصحفي، بعضها مبرر، وبعضها يتعلق بأسباب قانونية وثقافية واجتماعية وسياسية، مثل:

التكاليف والموارد: غياب سوق إعلاني وصحافة ذاتية التمويل، مما يعني أنه لا توجد صحافة مستقلة دون متبرع خارجي.

حماية: – عدم وجود بيئة تشريعية واضحة تضمن حق الصحفي في الوصول وتحميه من خطر التعرض للأذى عند التنقيب في ملفات حساسة، وهو ما يحول العمل الاستقصائي إلى مخاطرة شخصية باهظة التكلفة.

يثقضعف ثقة الجمهور بالصحافة المحلية وبالمصادر التي تقدمها، مما يؤثر على التفاعل مع النتائج ويفتح المجال أمام تأثير وسائل الإعلام الخارجية.

المهارات: تعاني البيئة الإعلامية من ضعف المهارات في التعامل مع تقنيات رصد الظواهر وإعداد البيانات وتحويلها إلى مادة صحفية كاشفة.

الشفافية: وتعتبر سوريا اليوم دولة بلا أرقام أو إحصائيات، ويعاني الصحفيون من عدم القدرة على الحصول على معلومات حساسة من أقسام الشرطة والمحاكم والهيئات الرقابية ودوائر صنع القرار. وهذا يعني أن معظم أعمال التحقيق ستعتمد على التوقعات أو بناء البيانات المكلفة من حيث الوقت والجهد والمال.
ليس مطلوباً من الحكومات أن تتبنى الصحافة الاستقصائية، لكن محاربتها ومنعها ينقل هذا الدور إلى وسائل الإعلام الخارجية، مما يترك مجالاً لتراكم الفساد بصمت.

فبدلاً من استخدام صحافة المساءلة كصمام أمان، وأداة تحكم غير رسمية، وقناة لتصحيح الأخطاء، تتولى وسائل الإعلام الخارجية هذا الدور كمصدر وأداة للتحكم.

في النهاية، الجمهور هو صاحب المصلحة الأساسي في الصحافة الاستقصائية، وهم من يجب أن يحتضنها، لأنها أداتهم للمساهمة في قضايا الشأن العام والتغيير والمساءلة… وبقية الحوار.

#القضايا #السورية #في #التحقيقات #من #خارج #الحدود. #لماذا

القضايا السورية في التحقيقات من خارج الحدود.. لماذا؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – القضايا السورية في التحقيقات من خارج الحدود.. لماذا؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.