دستور نيوز
لقد نسي سام
الاثنين 6 أبريل 2026 – 08:35
المصدر: الشرق الأوسط
وفي ظل حالة عدم اليقين التي تحيط بالحرب في إيران، فمن السابق لأوانه الحديث عن اليوم التالي. والأجدى في هذه المرحلة محاولة استخلاص الدروس من الأسابيع الستة للحرب، ومحاولة قراءة التبعات المحتملة على مستقبل المنطقة.
وأكدت الحرب ما هو مؤكد للعديد من المراقبين: أن إيران لا تزال مسكونة بالثورة أكثر من مجرد دولة عادية، وبالتالي لن تتمتع المنطقة بالسلام الحقيقي المنشود إلا إذا تغيرت طبيعة النظام لتصبح دولة قانون عادية، أو تم تقييد قدراته على إبراز القوة من خلال الأسلحة النووية والطائرات بدون طيار والصواريخ والإرهاب والوكلاء.
أول شيء هو أن إيران لا تزال في هذا الصراع قادرة على إعطاء الأولوية لمهمتها الإيديولوجية المتمثلة في الهيمنة الإقليمية والتطرف الديني على حساب سكانها، وحلفائها، واقتصادها، بل وحتى خسائرها العسكرية، على نحو تعجز أغلب الدول الحديثة الطبيعية عن القيام به. وبغض النظر عن مستويات الخسائر على كافة المستويات، فإن القوات غير النظامية تنتصر بمجرد عدم القضاء عليها. لا شك أن قدرات إيران ستتراجع بسبب الأضرار الجسيمة التي لحقت بها، لكن العقول الأيديولوجية التي تقودها لن تتراجع، وستسعى إلى إعادة بناء شبكتها من العملاء وبرامج الأسلحة لتحدي الوضع الراهن مرة أخرى. كما أنه ليس هناك ما يضمن أن الشعب سوف ينتفض، أو أن النتيجة ستكون دولة طبيعية، بل فوضى، أو دكتاتورية غير أيديولوجية، بل دكتاتورية على طراز أنظمة الأسد وصدام والقذافي.
الأمر الثاني هو النقلة النوعية في علاقة إيران مع دول الخليج، إذ يصعب العودة إليها قبل هذه الحرب، ولا حتى إلى مرحلة الهدوء الحذر التي سادت مؤخراً. إن استهداف المنشآت الحيوية والبنية التحتية المدنية بكثافة فاقت ما حدث لإسرائيل لم يُقرأ على أنه رد ظرفي على الوجود الأميركي، بل على أنه اعتداء مباشر على الدولة الوطنية.
هنا يتغير المعنى ولم تعد إيران متهمة بزعزعة استقرار الاستقرار من خلال وكلائها فحسب، بل إنها تتهم أيضاً بالاستعداد لضرب عمق البلدان نفسها. وهذا يكفي لكسر الثقة، وهو ما قد لا يتحول إلى حرب مفتوحة، لكنه سيترجم إلى ردع أقوى، وتحالفات أكثر صلابة، وشروط أقسى لأي تفاهم لاحق.
والأخطر من ذلك أن الحرب كشفت عن خطر تهديد قديم وجديد، وهو البعد الشبكي في المنطقة. ولم تعد فكرة «الخلايا النائمة» التي تدعمها طهران في بعض الدول أمراً أمنياً، بل واقعاً سيتم البناء عليه. ومع انتهاء المعارك، سيتحول الصراع إلى مواجهة داخلية صامتة: تفكيك الشبكات، والسيطرة على التمويل، ومراقبة البيئات الاجتماعية التي يُخشى اختراقها. أي أن الحرب ستترك شكلها العسكري وتستقر في شكل أمني طويل الأمد، حيث السيادة مرادفة للقدرة على تحصين الداخل، وليس مجرد ردع الخارج.
الأمر الثالث، هو قدرة دول الخليج على الصمود وامتصاص الصدمات، ليس فقط من خلال تعزيز قدراتها الدفاعية، بل أيضا من خلال تنويع أدوات الردع بين العسكري والأمني وإدارة المخاطر. لكن الصراع يبقى مفتوحا بين الانزلاق نحو تصعيد يستهدف البنية التحتية الحيوية، وخاصة الطاقة، وله تأثيرات إقليمية وعالمية طويلة المدى، أو الانتقال إلى مسار تفاوضي قد يؤدي إلى تسوية أرجح من الهدوء.
رابعاً، التفوق العسكري لا يضمن الحسم. إسرائيل غير قادرة على إنهاء الصراع بمفردها، وهو ما يبرز دور الولايات المتحدة كقوة حاسمة تختبر مصداقية ردعها عالمياً، لكنها تواجه تحدي التكيف مع التهديدات منخفضة التكلفة، إضافة إلى خلل مزمن في ربط الأهداف السياسية بالوسائل العسكرية، ما يحد من قدرة هذا التفوق على التحول إلى نتائج استراتيجية مستقرة.
الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران لم تصل إلى لحظة الحسم، لكنها لا تزال تتأرجح بين التصعيد ومحاولات الاحتواء. لكن من المفارقة أن ملامح المستقبل في المنطقة قد تبدو أكثر وضوحا، لأن ما حدث كسر التوازنات القائمة وحطم أوهام ظلت قائمة لسنوات. نحن أمام حرب لا تنهي مرحلة بقدر ما تفتح أخرى، عنوانها إعادة تعريف السيادة في المنطقة.
والأهم من ذلك، وضوح الرؤية بعد ارتباك مزمن في عدد من الدول، حيث كانت الحدود بين الدولة وغير الدولة غير واضحة، وبين الردع والفوضى. وجاءت الحرب لتزيل هذا الغموض بعنف، وتطرح سؤالاً بسيطاً وصعباً في الوقت نفسه: من يملك القرار داخل هذه الدول؟ الجواب على هذا السؤال هو الذي سيحدد شكل المنطقة في السنوات المقبلة، وليس نتائج المعارك وحدها.
خلاصة القول هي أن الصراع سيعيد تشكيل المنطقة ويثير تساؤلات جوهرية حول توازن القوى، واستقرار النظام الدولي، ودور الولايات المتحدة: هل يستمر أم يتراجع؟ في ظل تصاعد حالة عدم الاستقرار وصعوبة التوصل إلى حل نهائي. أما الدول العربية فستجد نفسها أمام اختبار على ثلاث جبهات: تحصين سيادتها في مواجهة الخارج، وأهمية الشراكة في التسويات مع إيران، وتحصين عقدها الداخلي حتى لا يتم استغلاله لتسوية الصراعات.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#قراءة #للأسابيع #الستة #الأولى #من #الحرب #صوت #لبنان #صوت #لبنان
قراءة للأسابيع الستة الأولى من الحرب – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – قراءة للأسابيع الستة الأولى من الحرب – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
