دستور نيوز
جمانة الشهال تدمري
الثلاثاء 31 مارس 2026 – 20:07
المصدر: صوت لبنان
هناك أشخاص يولدون في مكان ويعيشون في مكان آخر، لكن قلوبهم تسكن في مكان ثالث. كارين تدمري الجميل ليست واحدة منهن. اختارت كارين. لقد اختارت بعيون مفتوحة، وقلب واعي، وإرادة لا تتزعزع. كل شيء يكمن في هذا الاختيار.
ولدت في باريس لأبوين لبنانيين – أب طبيب بنى لنفسه حضورا في الشتات وأم أكاديمية علمت أطفالها أن العقل لا يهاجر – حمل معهم إلى الشتات ما لا يحمل عادة في الحقائب: الذاكرة والجذور والكرامة. نشأت في أحياء باريس القديمة، ونشأت في مدارسها الكبرى، وتعلمت العربية في بيتها – تلك اللغة التي تسربت إليها كالعطر الذي يتسرب من ثنيات ثوب قديم، ناقصة في قواعدها، ولكنها كاملة في انفعالها. اليوم، عندما تتحدث كارين باللغة العربية لجمهورها، فهي لا تتحدث بلغة الأكاديميين أو المذيعين، بل تتحدث بلغة الأمهات عندما يبكون، ولغة الفقراء عندما يشكرون. هناك اكتمال خفي نادر في هذا النقص الواضح.
درست في المدارس الثانوية الفرنسية ثم التحقت بكلية الطب وتخصصت في طب الأسنان وتحديداً في أحد أعرق التخصصات في باريس. نشرت بحثا علميا يثبت أنها غير راضية عن النجاح، بل تريد إضافة المزيد. طبيبة بالعلم، إنسانة بطبيعتها، أم لثلاث فتيات صغيرات بالقلب.
كان بإمكانها البقاء. لتكمل رحلتها الرائعة في باريس، بين عائلتها، وعيادتها، ومقالاتها، ومجتمعها الراقي. لكنها اختارت أن تتبع أميرها إلى لبنان، ليس من باب الطاعة العمياء، بل لأن في لبنان ما ينادي بصدق محبيه. وعندما وصلت إلى أرض تتصدع، قررت أن تكون جزءًا من عملية الترميم، وليس مجرد شاهدة على الانهيار.
في عام 2019، وبينما كانت الأزمة تضرب الصدور، لم تراقب كارين من بعيد. جلست مع صديقاتها حول طاولة بسيطة وقالت: نأكل. وكانت الفكرة في بدايتها مشابهة للفكرة الفرنسية “restos du cœur” – الأيقونة الإنسانية التي تجلب الطعام لمن لا يجده. لكن كارين لم تتوقف عند الطعام. لقد رأت الجرح الأعمق، فأرادت الدواء الأشمل.
ومن تلك الطاولة الصغيرة، ولدت جمعية “كلنا عائلة” – الاسم يقول كل شيء. نحن لسنا جمعية خيرية، نحن عائلة. ومن هذا الإيمان بالأسرة الإنسانية الواحدة، بنت كارين صرح العطاء: المراكز الطبية التي تقدم الرعاية المجانية في مختلف التخصصات، وبنوك الطعام التي تصل إلى الأسر في أوقاتها الأكثر ضعفاً، ومحلات الكرامة حيث يأتي الناس لاختيار ملابسهم – لأن الكرامة في الاختيار – وكذلك المراكز التي تدعم المنتجين والمزارعين للبقاء صامدين على أرضهم. خمسة عشر مركزاً منتشرة في كل أنحاء لبنان وكأنها أوردة تضخ الحياة في جسد منهك.
وفي كل هذا، فهي لا تدير الأمور فحسب، بل تعمل أيضًا. تجلس في عيادتها بالمركز الصحي وتعالج المرضى بيديها مجاناً. هذه الأيدي التي درست لسنوات طويلة في باريس، تعالج سكان بكفيا الذين لا يستطيعون شراء الدواء. عندما تتحدث كارين أمام الناس، فإنها لا تلقي خطابًا، بل تعترف. تقف بنبرة تكشف أنها تعلمت اللغة المشتركة من فرط الحب، وبنغمة تكشف أن ما تقوله يأتي من مكان أعمق من الفكر، قادم من الجرح والأمل.
إنها ثلاثية اللغات بامتياز – تنتقل بين الفرنسية والإنجليزية والعربية وكأنها تتحرك بين ثلاث مرايا لروح واحدة – لكن أحلى كلماتها هي تلك التي تخرج بتلعثم متعمد، وكأن العربية في فمها ليست نقصا بل فضيلة: تتكلمها من القلب لا من الكتاب.
تنتمي كارين إلى تلك الأقلية النادرة من المغتربين اللبنانيين الذين رفضوا أن يقدموا للعالم وجهاً آخر للبنان غير الوجه الجميل. لبنان الجميل ليس بلد الماضي ولا أسطورة الحنين، بل هو مشروع للحاضر يبنيه يوما بعد يوم، بكل رغيف يوزع، وكل سن يعالج، وكل قميص يختار بيد حرة. وهي من المؤمنين بلبنان التعددية والعيش المشترك، لبنان الذي يجسده طرابلس – مدينة التعايش، وحضارات متراكمة، ومهد الإنسانية منذ عشرة آلاف سنة.
وضعت كارين حياتها الباريسية جانبًا، لا لكي تنساها، بل لترتفع فوقها. لقد جعلت من تضحيتها مساهمة مضاعفة. إنها لا تبحث عن ضوء الكاميرات أو مجد المنابر، إنها تبحث فقط عن الوجه الذي يترك مركزها حاملاً شيئاً لم يكن يملكه عندما دخل: كرامته.
نحن جميعا عائلة. ليس شعارا. وهي اعتقاد عاشته كارين الجميل قبل أن تكتبه.
ولد هذا النص من إعجاب حقيقي بامرأة اختارت العودة في زمن تهجر فيه الكثيرون.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#بيت #يطعم #وقلب #يجمع #صوت #لبنان #صوت #لبنان
بيت يطعم وقلب يجمع – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – بيت يطعم وقلب يجمع – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
