دستور نيوز
بقلم محمد السماك
“أساس ميديا”
وكان اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة واحدة. هناك الآن ثلاثة فرق. وأشهرها وأكثرها تأثيراً هي “إيباك”، وهي أقوى حركة ضغط سياسية دينية في واشنطن. ومن جوانب عملها تخصيص شخصية يهودية من ركائز الحركة للتفرغ لمواكبة تصرفات ومواقف عضو الكونجرس الأمريكي الذي عملت على مساعدته في الفوز بمقعده. والهدف من هذا الدعم هو ضمان تمسك العضو بالموقف السياسي أو التشريعي الذي يتوافق مع المصلحة الإسرائيلية العليا. هذا الشكل المصاحب يسمى “الظل”. ومن واجباتها دفع كامل النفقات المالية لعضو مجلس الشيوخ قبل وأثناء وبعد الانتخابات.
وتتولى “آيباك” مسؤولية تمويل الحملة الانتخابية لعضو الكونغرس وتزويده بالدعاية اللازمة لضمان فوزه وتعزيز شعبيته ليبقى أسير هذا الدعم المالي والإعلامي.
وهو ما يفسر هذا الواقع، الظاهرة الاستثنائية التي حدثت في مجلس الشيوخ الأميركي عندما تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هناك خلال حرب الإبادة على غزة. ووقف أعضاء الكونجرس وصفقوا له مرات عديدة بتوجيه من رفاقه في «الظل». وحققت وقوف الأعضاء تكريما له رقما قياسيا لم يعرفه أي سياسي سابق سواء من خارج الولايات المتحدة أو من داخلها.
خلافات واسعة
ولعل من أبرز إنجازات “إيباك” نجاحها في ممارسة الضغوط السياسية على الإدارة الأمريكية لإغلاق “مكتب التمثيل الفلسطيني” في واشنطن، ثم وقف المساعدات المالية عبر منظمة الأونروا الدولية لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، وتصنيف كل فلسطيني على أنه إرهابي بحيث يحرم من الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة.
وعلى النقيض من أيباك، هناك منظمة يهودية أمريكية ثانية تعرف باسم عنوانها في واشنطن، وهو جي ستريت. وتدعو هذه المنظمة إلى احترام الشعب الفلسطيني وحقوقه، والعمل على التوصل إلى تسوية سياسية في الشرق الأوسط تحقق التوفيق بين مصالح الشعب اليهودي والشعوب العربية في المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.
ولا يمكن المقارنة بين الحركتين اليهوديتين سواء من حيث القدرات المالية أو النفوذ السياسي. وحتى أعضاء جي ستريت يتعرضون للاضطهاد من قبل مواطنيهم الذين ينتمون إلى أيباك. أعرف واحداً ممن تعرضوا للاضطهاد، وكان أستاذاً للعلوم الاجتماعية في جامعة نيويورك. وقد طُرد من وظيفته في الجامعة بسبب موقفه المنتقد للسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.
وإلى جانب هاتين الحركتين اليهوديتين هناك حركة ثالثة غير يهودية، ولكنها أكثر تطرفا في الدفاع عن إسرائيل ومصالحها ومشاريعها التوسعية، وهي الحركة الصهيونية المسيانية.
ويتقارب الأدب الديني لهذه الحركة مع الأدب الديني للصهيونية اليهودية من حيث انتظار المسيح. تقول الصهيونية المسيانية إنها “تنتظر عودة المسيح”، وتقول الصهيونية اليهودية إنها “تنتظر مجيء المسيح”. هناك اختلافات فقهية واسعة بين العودة والمجيء. لكن القاسم المشترك بينهم هو الاتفاق على أن هناك شرطاً واحداً مشتركاً للعودة أو القدوم. أول هذه الشروط اجتماع اليهود في فلسطين لأن المسيح لن يظهر إلا أمامهم، كما حدث في المرة السابقة، وهذا التجمع حدث عام 1948. ومنها أيضا عودتهم إلى القدس، وقد عادوا عام 1967. ومنها أيضا بناء الهيكل اليهودي، وهو ما لم يحدث بعد. إلا أنه أمر يتفق الطرفان على ضرورة العمل على تحقيقه حتى تتوفر شروط العودة أو العودة.
وهنا تبرز أهمية حركة يهودية ثالثة في الولايات المتحدة، تقول إن اليهودية دين، وبالتالي فإن اليهود ليسوا عرقاً واحداً، وأن غالبيتهم يرفضون الصهيونية بشكل أساسي كفكرة وكحركة قومية يهودية، وأن اليهود كغيرهم من الأميركيين الكاثوليك أو الإنجيليين أو المسلمين أو الهندوس أو البوذيين، هم أميركيون يؤمنون باليهودية كعقيدة دينية وليست مشروعاً سياسياً.
في عام 1841، قال حاخام مدينة تشارلستون في جنوب كاليفورنيا، غوستاف بوسنارسكي: هذا البلد (الولايات المتحدة) هو فلسطيننا، وهذه المدينة (تشارلستون) هي قدسنا، وهذا الكنيس (حيث صلى وألقى كلمته) هو معبدنا.
كما قال الحاخام بوزنارسكي في خطابه التاريخي: «لقد تغاضت إيباك عن أن تعاليم اليهودية كدين تتمحور حول عبادة الله، وليس حول عبادة هوية سياسية تبدو وكأنها شرك بالله» (أي الصهيونية).
الأمل في السلام؟
وبالإضافة إلى هذا التناقض في تفسيرات المواقف بين اليهودية – اليهودية والصهيونية – اليهودية، هناك أيضاً تباين بين مجموعتين من الحركة الصهيونية المسيانية في الولايات المتحدة. وقد ظهر هذا التناقض مؤخراً، ويدور حول موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وكانت هذه الحركة هي الرافعة التي أوصلت ترامب إلى الرئاسة في المرة الأولى، وكان نائبه أحد قادتها. لكن الخلفية السلوكية الأخلاقية للرئيس ترامب لم تشكل مظلة حماية له، رغم كل الخدمات التي قدمها لإسرائيل، فاختلف مع نائبه واستبعده.
وتوسع الخلاف حتى اليوم أدى إلى ولادة حركة جديدة داخل الحركة الصهيونية المسيانية تحمل اسم “المسيحيين بالحرف الأحمر”. ويرمز الاسم إلى كلمات من الكتاب المقدس المنسوبة إلى السيد المسيح، والتي طبعتها الحركة بالحبر الأحمر. ونأت هذه الحركة الجديدة بنفسها عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وأعلنت فك ارتباطها بالرئيس ترامب شخصياً. ولذلك، توقفت محطة فوكس نيوز التلفزيونية، التي يمولها ترامب نفسه، عن استضافة أي من شخصياتها في أي من برامجها الدينية السياسية.
الرئيس ترامب يستقبل ممثلين عن الحركة المسيحية الصهيونية في مكتبه بالبيت الأبيض “ليباركه” ويصلي من أجله. أما المنشقون الجدد عن هذا التيار، فيتهمونه بأنه «باع الدين والمعتقد»، ويحرضون على فتح ملفات «إبستاين» التي تتضمن فضائح جنسية مخزية، كان ترامب، كما يتهمونه، أحد أبطالها. ولذلك يتهمونه بأنه طعن مسيحيي “الرسالة الحمراء” في الظهر، فكان لا بد من التخلي عنه وكشف عيوبه ونقائصه.
وكان الرئيس ترامب قد أصدر نسخة من الكتاب المقدس تحمل اسمه “إنجيل ترامب” وتعرض لانتقادات. حتى أنه اتُهم بتقليد ملك بريطانيا السابق “جيمس” المعروف بأنه مثلي الجنس. ومع ذلك فقد أصدر الإنجيل الذي يحمل اسمه إلى يومنا هذا. وهو أحد الأناجيل الأربعة المعتمدة رسميًا حتى الآن.
ولم تعد الصهيونية المسيحية حركة واحدة، بل حركتين. ولم تعد الصهيونية اليهودية ديناً واحداً، بل ديانتين. صحيح أن هذه الانقسامات تضعف الجميع، لكنها في الوقت نفسه تساعد على ظهور بصيص أمل في ظهور طريق ثالث يلتف حول التعقيدات الدينية والصعوبات السياسية للوصول إلى السلام المنشود.
محمد السماك
#الصهيونية #المسيحية #منقسمة #حول #الرئيس #ترامب
الصهيونية المسيحية منقسمة حول الرئيس ترامب
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – الصهيونية المسيحية منقسمة حول الرئيس ترامب
المصدر : www.elsharkonline.com
