دستور نيوز
بقلم ديفيد عيسى
وفي زمن التوتر والانقسام الداخلي، لم يعد التصعيد يقتصر على طرف أو آخر. بل إن خطاب التحدي والاتهامات المتبادلة أصبح سمة تهيمن على المشهد السياسي والإعلامي لمختلف الأطراف.
وبدلا من أن يكون الخلاف مساحة للنقاش، فإنه غالبا ما تحول إلى منصة للتشهير والتحريض، وكأننا أمام سباق لرفع السقف وليس لإيجاد الحلول.
فالاختلاف السياسي لا ينفي الانتماء المشترك، ولا يغير حقيقة أن الجميع في النهاية أبناء وطن واحد، مهما تباعدت المواقف وتباينت القراءات.
لكن الخطير هو أن ينزلق هذا الخلاف إلى خطاب تهديد يزرع القلق ويحدث شرخاً عميقاً بين اللبنانيين.
والمسؤولية هنا لا تقع على طرف واحد، فهناك من من جهات مختلفة يرفع مستوى التحدي ويتجاوز حدود الخطاب السياسي إلى أساليب استفزازية لا تليق بالحياة العامة ولا أخلاقيات الحوار، وتأجيج نار الانقسام بدلا من السعي لإطفائه.
الاختلاف السياسي حق مشروع، لكن تحويله إلى خلاف وجودي وبناء المتاريس النفسية والطائفية بين أبناء الوطن الواحد هو طريق خطير لا يؤدي إلا إلى الهاوية.
الاختلاف أمر طبيعي، ولكن إذا خرج الخلاف عن سيطرته، فإنه قد يؤدي بنا جميعا إلى عواقب غير مرغوب فيها.
وفي قلب هذا المشهد، لا يمكن تجاهل ما يأتي من بعض مسؤولي حزب الله والإعلاميين، إذ يتجاوز الخطاب أحياناً حدود التعبير السياسي إلى التهديد والترهيب، وهو نهج يعمق الشرخ بين اللبنانيين ويدخل البلاد في مناخ لا يشبه لبنان الذي نريده جميعاً.
صحيح أن هناك خلافاً في مسألة السلاح، وهو اختلاف سياسي مشروع، إذ من حق كل طرف أن يرى الأمور من وجهة نظره، وأن يناقشها ويعبر عن موقفه.
كما يحق لشريحة من اللبنانيين الاعتراض على دخول لبنان في حرب، خاصة أن هذه الحرب كلفت البلاد خسائر فادحة على شكل شهداء ودمار وتهجير مئات الآلاف في الجنوب والضواحي والبقاع، حيث يعيش الكثيرون اليوم ظروفا قاسية بعد أن أجبروا على ترك قراهم.
ورغم أن تداعيات الحرب بدت أكثر حدة في مناطق معينة، إلا أن تداعياتها لم تقتصر على فئة أو أخرى، إذ طالت مختلف اللبنانيين على المستوى المعيشي والاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى مناخ الخوف والقلق الذي لم يستثني أحدا.
ومن هنا، يصبح من الخطأ تقليص الخسارة أو حصرها بجغرافيا أو فئة، لأن الضرر في لبنان غالباً ما يكون شاملاً، وإن تباينت أشكاله.
وعليه، فإن رفض هذه الحرب من قبل شريحة من اللبنانيين يندرج في إطار الرأي السياسي المشروع، ولا يندرج في خانة التحريض أو الدعوة إلى الصدام، بل هو تعبير سلمي عن موقف ضمن الشراكة الوطنية.
وإذا كان هذا الاعتراض ليس أكثر من موقف سياسي سلمي، فلماذا يقابل أحيانا بخطابات عالية اللهجة تتجاوز حدود النقاش، وكأن الخلاف جريمة تتطلب الرد بالتصعيد؟
نعم، هناك شريحة كبيرة تعتقد أن فريقاً سياسياً اتخذ قرارات أدت إلى تورط لبنان في أكثر من حرب من دون إجماع وطني. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاعتراض إلى اتهام، والاختلاف في الرأي إلى ذريعة للتهديد والخيانة.
وفي ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يفترض أن يكون ذلك حافزاً لتجنب أي صراع داخلي، وليس ذريعة لمزيد من التوتر.
باختصار، المطلوب هو قناعة مشتركة بين جميع القوى السياسية برفض الانزلاق إلى مغامرات جديدة، بعد أن عاش اللبنانيون ثمن الحروب والانقسامات.
وفي هذا السياق، تسجل مبادرة الحزب التقدمي الاشتراكي خطوة نوعية تستحق الاهتمام، من خلال عملها المتعمد وانفتاحها على مختلف القوى السياسية. ولا يقتصر الأمر على لقاءات أو بيانات، بل يعكس الوعي بمخاطر الانزلاق الداخلي والحرص على تجاوز الانقسامات الحادة، من خلال محاولة جادة لجمع الإرادات الوطنية والتأكيد على أن الحوار هو السبيل الوحيد لتجنب الفوضى والحفاظ على الاستقرار.
ومن خلال هذه الخطوة، يرسل الحزب رسالة واضحة مفادها أن المسؤولية السياسية لا تقتصر على اتخاذ القرارات، بل تشمل حماية الوطن من أي شرخ داخلي يهدد السلم الأهلي.
ورغم أن هذه المبادرة هي جزء من الجهد الوطني العام، إلا أنها في الوقت نفسه نموذج تحتذي به القوى الأخرى، لوضع مصلحة لبنان العليا فوق أي حسابات ضيقة أو ضغوط خارجية.
وهو يؤكد أن العمل السياسي البناء يتطلب الشجاعة في التواصل، والقدرة على الإصغاء، والجهود الجادة لتجاوز الخلافات عبر الحوار العقلاني والمسؤول.
ولا مخرج من الأزمات المتراكمة إلا بالالتزام بالحوار وتعزيز الوحدة الوطنية والتحصين خلف الدولة ومؤسساتها وفي مقدمتها الجيش اللبناني.
إن حماية السلم الأهلي مسؤولية جماعية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الخطاب المسؤول والتعاون الصادق بين مختلف القوى.
ومن الإنصاف التأكيد على أن في كل طائفة في هذا البلد شخصيات وطنية نزيهة يمكن الاعتماد عليها لمنع الفتنة، وكانت بوصلتها وستبقى مصلحة لبنان العليا.
في هذا السياق، تبرز ظاهرة لافتة، تتمثل في ظهور بعض «المنظرين والمحللين» على الشاشات. وبعضهم ذهب بعيداً في تحليلاته، وتصرف كما لو كان شهوداً داخل الحكومة الإسرائيلية، وروج لمزاعم التنسيق مع قوى داخلية لإثارة الاضطرابات في لبنان.
وهذا السلوك، سواء عن قصد أو عن جهل، يخدم العدو الإسرائيلي ويؤجج الانقسام الداخلي.
إن اللهجة العالية والتهديدات لا تقدم حلولاً، بل تعمق الانقسام وتدفع البلاد نحو توتر لا نحتاجه.
لبنان لا يستطيع أن يحتمل المزيد من الانقسامات. والمطلوب اليوم هو إعادة النظر في فكرة العيش المشترك قبل أن تضيع من أيدينا.
وفي الختام، إذا لم نتمكن من ضبط خلافاتنا اليوم، فقد نجد أنفسنا غداً أمام واقع لا فائدة فيه من الندم.
ولكن لا تزال هناك فرصة لتغيير المسار. إن الالتزام بالحوار، والاعتراف بحقوق الجميع، واحترام مؤسسات الدولة، كفيل بتحويل الخلاف السياسي إلى نقاش بناء، وجعل التنوع مصدر قوة، وليس فتنة.
ديفيد عيسى
#لبنان #على #أبواب #انفجار #داخلي #ومبادرة #التقدي #خطوة #مطلوبة
لبنان على أبواب انفجار داخلي، ومبادرة التقدي خطوة مطلوبة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – لبنان على أبواب انفجار داخلي، ومبادرة التقدي خطوة مطلوبة
المصدر : www.elsharkonline.com
