.

اراء و اقلام الدستور – “فلسفة الذل”.. هل تحولت الدولة السورية إلى غنيمة مبرمجة؟

سامر الشخشير30 مارس 2026
اراء و اقلام الدستور – “فلسفة الذل”.. هل تحولت الدولة السورية إلى غنيمة مبرمجة؟


دستور نيوز

خالد المطلق

في الممر الدولي والمنصات التحليلية التي تتناول الأزمة السورية، غالبا ما تنحصر المأساة الإنسانية في ثلاثة عناوين عريضة: الحرب المستعرة، والعقوبات الاقتصادية الخانقة، والانهيار التدريجي للبنية التحتية. وعلى الرغم من مركزية هذه العوامل، إلا أنها تظل غير قادرة على تفسير عمق تدهور الأوضاع المعيشية التي يعاني منها السوريون اليوم. خلف هذا الستار تكمن معضلة أكثر فتكا وعمقا، وهي الفساد البنيوي الذي تغلغل في مفاصل “الدولة السورية الوليدة” حتى أصبحت جزءا من الأزمة السورية. من الناحية العضوية، من تداولها، فإن المفارقة الصارخة بين أنين الملايين الذين يعيشون تحت خط الفقر والتضخم المتسارع لثروات شبكات المصالح ليست مجرد خلل إداري عابر، بل هي إعلان واضح عن أزمة حكم وجودية تتعلق بكيفية إدارة الموارد العامة وتوزيعها في أوقات الندرة.

خطورة الفساد السوري اليوم لا تكمن في كونه مجرد «رشوة» أو «اختلاس» معزول، بل في تحوله إلى نهج معرفي لإدارة الدولة الوليدة، وتعيين الأقارب والمقربين في عملية صنع القرار ليس مجرد مكافأة اجتماعية، بل استراتيجية لتأمين «الولاء المطلق» على حساب «الكفاءة الوطنية». عندما يتم إسناد منصب حساس إلى شخص غير مؤهل لمجرد ارتباطه بمنصب نفوذ، فإننا لا نقتل المؤسسة إداريا فحسب، بل ننهي دورها الوظيفي كخادم للمصلحة العامة، وهذا غزو. إن المحسوبية تخلق “طبقة عازلة” من المستفيدين الذين يرون أن هناك مصلحة استراتيجية في الإبقاء على الدولة هشة، لأن الدولة القوية القائمة على القانون هي العدو الأول لامتيازاتهم غير المشروعة.

وما يثير الشكوك حول أداء القيادة الانتقالية ليس عدم قدرتها على مراقبة الفساد، وهو الأمر الواضح الذي لا يمكن إخفاؤه، بل تبنيها “فلسفة العبث” المتعمدة. وهذا الإهمال ليس وليد الصدفة أو الانشغال بملفات الحرب، بل هو «صمت وظيفي» يخدم تراتبية السلطة. ومن خلال غض الطرف عن التجاوزات الصارخة، ترسل القيادة رسائل ضمنية إلى شبكات المصالح مفادها “الولاء مقابل الحماية”. وهذا الأسلوب المتعمد يؤدي إلى نتيجة حتمية وهي تآكل الهيبة. الدولة من الداخل، تحول مؤسساتها إلى هياكل فارغة تستخدم كغطاء قانوني لعمليات النهب المنظمة، و”التشهير” هنا هو الأداة التي تشرع الفوضى وتجعل من الفساد “كمية غير مقبولة” في وعي المواطن.

وقد أدى هذا الفساد البنيوي إلى ظهور “اقتصاد الظل” القائم على شبكات العلاقات الشخصية. وفي سوريا اليوم، لا يعتمد نجاح المشروع التجاري على جدواه الاقتصادية، بل على مدى قربه من «خيوط العنكبوت» التي تديرها المحسوبية. إن الحصول على تراخيص الاستيراد، أو الوصول إلى التمويل، أو حتى الحماية من الابتزاز البيروقراطي، كلها أمور تمر عبر قنوات غير رسمية، وهذا المناخ الذي يصد الاستثمار الصادق أدى إلى ظاهرة “هجرة الأدمغة” الصامتة. المواهب السورية الشابة تجد الطريق نحو الإبداع والخدمة. فالشعب محصور بجدار من “أبناء المسؤولين”، ويختار الأشخاص غير المؤهلين الرحيل، الأمر الذي يحرم البلاد من أهم مورد استراتيجي لها، ألا وهو الشعب.

وأخطر تكلفة لهذا المسار هو الانهيار الكامل للعلاقة بين الحاكم والمحكوم. فالمواطن الذي يرى موارد الوطن تهدر في صفقات مشبوهة وهو غير قادر على توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية يفقد انتمائه للمؤسسة. وهذا الشرخ في «العقد الاجتماعي» يحول المواطن من شريك في بناء الدولة إلى ناقد أو يائس، مما يسهل عملية «إنهاء مؤسسات الدولة إلى الأبد». إن استمرار هذا التوجه يعني أن الدولة لم تعد تمثل مظلة للجميع، بل أصبحت «غنيمة» لطرف على آخر، ما يهدد بتمزيقه. النسيج الاجتماعي والسياسي لسنوات عديدة قادمة.

في الختام، تقف سورية اليوم عند منعطف تاريخي لا يحتمل أنصاف الحلول. إن إعادة إعمار البلاد لا تبدأ بتمهيد الطرق أو ترميم المباني، بل بإعادة بناء «الثقة» المفقودة بين الدولة والمجتمع. إن محاربة الفساد لن تتحقق بتصريحات بنيوية أو حملات إعلامية موسمية، بل باستقلال حقيقي للقضاء وشفافية مطلقة في إدارة المال العام. وتؤكد التجارب الدولية أن الدول قادرة على تحويل الأزمات الكبرى إلى فرص للإصلاح البنيوي، لكن هذا يتطلب إرادة سياسية تقطع مع «سياسة اللامبالاة»، وتدرك أن بناء الدول لا يعتمد فقط على الموارد المتاحة، بل على عدالة وكفاءة المؤسسات. وبدون هذا الموقف الجدي سيبقى التعافي الاقتصادي وهماً بعيد المنال، وستبقى الدولة غنيمة يتاجر بها غير المؤهلين على حساب أنقاض وطن وشعب.

#فلسفة #الذل. #هل #تحولت #الدولة #السورية #إلى #غنيمة #مبرمجة

“فلسفة الذل”.. هل تحولت الدولة السورية إلى غنيمة مبرمجة؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – “فلسفة الذل”.. هل تحولت الدولة السورية إلى غنيمة مبرمجة؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.