.

اراء و اقلام الدستور – مدى صلاحية وزارة الخارجية بسحب اعتماد السفير الإيراني

سامر الشخشير28 مارس 2026
اراء و اقلام الدستور – مدى صلاحية وزارة الخارجية بسحب اعتماد السفير الإيراني


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب
في خضم الجدل الدائر في الأوساط الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي حول مدى صلاحية وزير الخارجية بسحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني في لبنان، تبرز الحاجة إلى مقاربة قانونية متينة تعتمد على قواعد القانون الدولي العام، ولا سيما أحكام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، باعتبارها الإطار المنظم للعلاقات بين الدول في المجال الدبلوماسي.
بادئ ذي بدء، لا بد من التأكيد على أن أي إجراء تتخذه الدولة المضيفة ضد أحد أعضاء البعثة الدبلوماسية، بما في ذلك إعلان “شخص غير مرغوب فيه”، لا يعتبر حكما تلقائيا بقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بل يدخل في نطاق الإجراءات السيادية التي يتعين على الدولة ضبط قواعد العمل الدبلوماسي على أراضيها والحفاظ على سيادتها ومنع أي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية.
الإطار القانوني المنظم للعلاقات – اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية – حددته المادة التاسعة من الاتفاقية من حيث حق الدولة المستقبلة، في أي وقت ودون إبداء الأسباب، في إخطار الدولة المعتمدة بأن عضوا في بعثتها الدبلوماسية أصبح “شخصا غير مرغوب فيه”. ويعد هذا النص تجسيدا واضحا لمبدأ السيادة، إذ يمنح الدولة المضيفة السلطة التقديرية المطلقة في هذا المجال، دون أن تكون ملزمة بتبرير أو تبرير قرارها. وتمشيا مع هذا المبدأ، يمكن للدولة المضيفة ممارسة هذا الحق على مرحلتين: قبل أن يبدأ الدبلوماسي مهامه الرسمية، أو أثناء ممارسة هذه الواجبات.
ويعتبر القرار المتخذ في هذا السياق قرارا أحاديا وسياديا، لا يخضع لأي رقابة خارجية، ويترتب عليه التزام الدولة المعتمدة باستدعاء الدبلوماسي المعني أو إنهاء مهامه خلال مدة معقولة، مع احتمال فقدان الاعتراف به كعضو في البعثة.
وفيما يتعلق بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن المادة الحادية والأربعين من نفس الاتفاقية تشكل حجر الزاوية في تحديد سلوك الدبلوماسيين، إذ تلزمهم باحترام قوانين وأنظمة الدولة المعتمدين لديها، وتحظر عليهم التدخل في شؤونها الداخلية. ولا يقتصر هذا الالتزام على الامتناع عن التصرفات الجسدية ذات الطبيعة التدخلية، بل يمتد ليشمل التصريحات السياسية والمواقف العامة وأي نشاط يمكن فهمه على أنه مؤثر في القرار السيادي الداخلي.
وفي هذا السياق، فإن أي تصريحات تصدر عن دبلوماسي أجنبي تتناول الشؤون الداخلية للدولة المضيفة، أو تقيم قرارات جهاتها الرسمية، أو تتجاوز القنوات الدبلوماسية المعتمدة بالتواصل مع جهات غير رسمية دون التنسيق مع وزارة الخارجية، يمكن أن تشكل إخلالا جوهريا بواجبات العمل الدبلوماسي، وتبرر اتخاذ إجراءات ضده، أبرزها إعلانه “شخصا غير مرغوب فيه”.
في حين أن الطبيعة القانونية لإجراءات “شخص غير مرغوب فيه” تعني أن إعلان الدبلوماسي “شخصا غير مرغوب فيه” هو إجراء إداري سياسي ذو طبيعة سيادية، يهدف إلى حماية النظام العام الدولي داخل إقليم الدولة، وليس عقوبة بالمعنى الجزائي. ولذلك لا يشترط إثبات المخالفة وفق معايير الإثبات القضائي. بل يكفي أن ترى الدولة المضيفة أن إقامة الدبلوماسي لم تعد متوافقة مع مصالحها أو مع متطلبات حسن سير العلاقات الدبلوماسية.
علاوة على ذلك، فإن هذا الإجراء لا يؤثر بشكل أساسي على العلاقات الثنائية بين الدول، والتي تظل قائمة ما لم يتم اتخاذ قرار سياسي صريح بقطعها. وعليه، فإن التمييز بين “الإجراء المتخذ ضد شخص دبلوماسي” و”العلاقات بين الدول” يعتبر تمييزا أساسيا في الفقه الدبلوماسي.
وفي ظل ما يثار بشأن السفير الإيراني، فإن عدم تقديم أوراق اعتماده رسمياً إلى رئيس الجمهورية اللبنانية بعد، يضعه في وضع قانوني خاص، إذ لم تستكمل بعد شروط توليه مهامه بشكل كامل، ما يتيح للدولة اللبنانية هامشاً أوسع لتقييم وضعه واتخاذ ما تراه مناسباً من إجراءات.
وإذا ثبت أنه أصدر مواقف أو قام بأنشطة تشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية اللبنانية، فإن ذلك يشكل أساساً قانونياً كافياً لاتخاذ إجراءات ضده استناداً إلى المادة 9 من اتفاقية فيينا، دون أن يفسر ذلك على أنه تصعيد دبلوماسي يصل إلى حد قطع العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وفي هذا السياق تبرز قاعدة المعاملة بالمثل كأحد المبادئ غير المكتوبة التي تحكم العلاقات الدولية، حيث يطرح السؤال المشروع: هل تقبل أي دولة بما فيها الجمهورية الإيرانية أن يقوم سفير دولة أجنبية بتقييم قراراتها الداخلية أو التواصل مع جهات غير رسمية خارج الأطر الدبلوماسية المعتمدة؟
أما في السوابق اللبنانية في هذا المجال، فإن اللجوء إلى اعتبار الدبلوماسيين “أشخاصا غير مرغوب فيهم” ليس جديدا في الممارسة اللبنانية. وفي أواخر الستينيات، كشفت الأجهزة الأمنية اللبنانية عن محاولة لإشراك دبلوماسيين أجانب في نشاط ذي طابع استخباراتي، تمثل بمحاولة تجنيد ضابط لبناني لاختطاف طائرة “الميراج” التي كانت آنذاك من أكثر المقاتلات تقدما وذات أهمية استراتيجية كبيرة.
وكانت الأهداف المرجوة من هذه المحاولة هي: الاستيلاء على الطائرة أو الحصول على أسرارها الفنية، وتمكين جهة أجنبية من الوصول إلى قدراتها العسكرية، وتحقيق التفوق الاستخباراتي في إطار المنافسة الدولية. وعقب اكتشاف هذه المحاولة، بادرت السلطات اللبنانية إلى إعلان الدبلوماسيين المعنيين “أشخاصا غير مرغوب فيهم” وطلبت منهم مغادرة الأراضي اللبنانية فورا، في تطبيق واضح لأحكام اتفاقية فيينا، ودون أن يؤدي ذلك إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع البلد المعني.
وفي الختام، فإن صلاحية الدولة المضيفة بإعلان الدبلوماسي “شخصا غير مرغوب فيه” هي أحد أبرز مظاهر سيادتها على الساحة الدولية، وهي أداة قانونية مشروعة تهدف إلى حماية استقلالية صنع القرار الوطني وضمان احترام قواعد العمل الدبلوماسي. وفي الحالة اللبنانية، فإن أي إجراء من هذا القبيل، إذا استند إلى أحكام اتفاقية فيينا، يبقى ضمن الإطار القانوني المشروع، ولا يشكل بالضرورة مؤشراً على تدهور العلاقات الثنائية، بل تعبيراً عن تمسك الدولة بسيادتها وحرصها على ضبط قواعد التعاملات الدبلوماسية وفق المبادئ الثابتة.
د. ابراهيم العرب

#مدى #صلاحية #وزارة #الخارجية #بسحب #اعتماد #السفير #الإيراني

مدى صلاحية وزارة الخارجية بسحب اعتماد السفير الإيراني

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – مدى صلاحية وزارة الخارجية بسحب اعتماد السفير الإيراني

المصدر : www.elsharkonline.com

.