.

اراء و اقلام الدستور – جنوب لبنان: ماذا يبقى من التاريخ عندما تضيع الجغرافيا؟ – صوت لبنان – صوت لبنان

سامر الشخشير27 مارس 2026
اراء و اقلام الدستور – جنوب لبنان: ماذا يبقى من التاريخ عندما تضيع الجغرافيا؟ – صوت لبنان – صوت لبنان


دستور نيوز

مصطفى فحص

الجمعة 27 مارس 2026 – 10:21

المصدر: الشرق الأوسط

جنوب لبنان، أو جنوب النهر، أو جنوب الجنوب، منطقة جغرافية غارقة في القدم، إذ شكلت الشعوب والقبائل التي تعاقبت هناك، منذ آلاف السنين، ذاكرة جماعية موروثة، مكتوبة وشفهية، تركت بصماتها في الأماكن وفي الذاكرة.

وفيها أجرى السيد المسيح أولى معجزاته في قانا الجليل، حيث يربط المؤرخون تعاليمه بظهوراته. وُصِف بـ«بلد الإنجيل»، وعُرف فيما بعد بـ«بلد البشارة». وفيها نزل الكنعانيون قادمين من الجزيرة العربية، وبنوا أولى لبنات حضارتهم ووجودهم قبل المسيح بثلاثة آلاف سنة. ومن ميناء صور أبحرت ابنة ملكها إليسار إلى قرطاجة، وأعطت أختها أوروبا اسمها للقارة القديمة. وقد جاءت قبيلة عامل اليمنية إلى ذلك المكان واستقرت هناك بعد طوفان العرام في مأرب، فسمي جبل عامل باسمه.

ويعتبر جبل عامل الذي ترتكز تلاله على كتف الجليل، بمثابة بوابة عبور للقادمين والعائدين إلى القدس، سواء الغزاة أو المحتلين أو الحجاج الزائرين. وفي حاضرنا، المكان الواسع في لبنان الكبير هو الذي شكل الذاكرة الجماعية للطوائف الشيعية التي سكنته منذ أكثر من ألف سنة. هناك خلقت رواياتها عن أزمنة جاءت ومضت، عن سلاطين مروا، عن جيوش عبرت ثم خرجت، عن مهن هُزمت، وعن شعب لبناني كان ينتمي إليه مكاناً وتراثاً وذاكرة وهوية، حفروا في الصخر من أجل بنائه، وضحوا بحياتهم من أجل الحفاظ عليه، وفي كل مرة تركوه بالقوة على أمل العودة.

فهو ليس مجرد مكان، بل هو انتماء ثقافي وحاضنة للذاكرة الفردية والجماعية. هذه ذكرى تتقن تحويل الحزن والألم إلى فرح، والكارثة إلى فرصة جديدة للنهوض والخروج من الموت والحرب. الحرب لا تمحو الحجر فحسب، بل تمحو أيضًا الحكايات والقصص والذكريات الشفهية المرتبطة به، إذ يصعب على الناس استعادة ماضيهم وذكرياتهم. يتسبب اللجوء والنزوح في حدوث شرخ بين الأشخاص والأماكن، ومع مرور الوقت يتحول المكان إلى ذاكرة متخيلة، وتفقد الذاكرة صورها السابقة. وهنا يجب أن نسأل: لو عاد الجنوبيون وأعادوا بناء قراهم ومدنهم وبيوتهم، فهل سيتمكنون من إعادة بناء ما انقطع من الذاكرة؟

فالحرب تعيد إنتاج روايات متعددة وقصص مختلفة، وتقلص الذاكرة الجماعية لصالح روايات منفصلة ومشتتة، ولكل فرد روايته المختلفة، وهذا ما ينتج الخلاف في الذاكرة، وليس الخلاف. الذاكرة المثقبة تسرب الإحساس بالتجمع، وينمو مكانها الأنا القاطعة المنفصلة…

قد يتمكن الجنوبيون من إعادة بناء ما تم تدميره، ولكن هل من السهل إنقاذ ما تم تدميره من ذاكرة عمرها آلاف السنين؟ هل يمكننا إخراجها حية من تحت الأنقاض؟ والقرى المدمرة بتراثها الإنساني وقيمها وعاداتها كالأغاني والجلباب والساحات ودور العبادة والمقابر وشواهد القبور… هي شواهد الذاكرة والتاريخ.

ما سيواجهه الجنوبيون ليس هواجس العودة أو إعادة البناء فحسب، بل الخوف من ذاكرة غنية بتفاصيلها، بمؤثراتها وحضورها وحضورها. هذه المعرفة في الأدب والشعر والثقافة يصفها الشاعر الجنوبي الكبير شوقي بزيع قائلاً: “بل هي الثمرة الطبيعية لاتحاد المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل منه التاريخ جانباً، والجغرافيا جانباً آخر، إضافة إلى عوامل حضارية وثقافية متنوعة. ولعل اجتماع هذه العوامل في محور واحد هو ما أتاح لجنوب لبنان أن يكون حاضناً مناسباً لكل الشعريات التي حدثت على أرضه منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا”.

الجنوب، أماكننا، مدننا وأفكارنا التي دمرت، حياتنا التي ضاعت، ذكرى يصعب نسيانها، ولكن ربما يصعب علينا حمايتها.

المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها

#جنوب #لبنان #ماذا #يبقى #من #التاريخ #عندما #تضيع #الجغرافيا #صوت #لبنان #صوت #لبنان

جنوب لبنان: ماذا يبقى من التاريخ عندما تضيع الجغرافيا؟ – صوت لبنان – صوت لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – جنوب لبنان: ماذا يبقى من التاريخ عندما تضيع الجغرافيا؟ – صوت لبنان – صوت لبنان

المصدر : www.vdl.me

.