.

اراء و اقلام الدستور – التضخم هو الوحش القادم: العالم بين نار التضخم ومقصلة الفائدة في زمن الحرب؟ – صوت لبنان – صوت لبنان

سامر الشخشير26 مارس 2026
اراء و اقلام الدستور – التضخم هو الوحش القادم: العالم بين نار التضخم ومقصلة الفائدة في زمن الحرب؟ – صوت لبنان – صوت لبنان


دستور نيوز

محمد موسى

الأربعاء 25 مارس 2026 – 20:01

المصدر: صوت لبنان

يشهد الاقتصاد العالمي، في المرحلة الحالية، تحولا بنيويا عميقا في سلوك السياسات النقدية، مدفوعا بتقاطع عاملين شديدي التأثير: عودة التضخم إلى الواجهة من جهة، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في الخليج واحتمالات توسعها من جهة أخرى. وهذا التقاطع لا يعيد تشكيل مسارات أسعار الفائدة فحسب، بل يفرض اختيارات قسرية على البنوك المركزية، ويعيد توزيع الأعباء بين المقترضين والمودعين، ويضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار قاس قد يمتد تأثيره لسنوات. وفي هذا السياق، يبدو أن البنوك المركزية دخلت فيما يمكن وصفه بالـ… مع فخ «السياسات المزدوجة»، إذ لم يعد من الممكن تحقيق استقرار الأسعار دون التضحية بجزء من النمو، ولا دعم النشاط الاقتصادي دون المخاطرة بإعادة إشعال التضخم. وأدت الحرب، خاصة مع ارتفاع احتمال انقطاع إمدادات الطاقة، إلى موجة من التضخم المستورد، مما دفع الأسعار إلى مسارات تصاعدية بعد فترة من التباطؤ النسبي. وفي المقابل، تظهر علامات الضعف الواضحة على النمو الاقتصادي العالمي، سواء في أوروبا التي تقترب من حالة من الركود الفني، أو في الاقتصادات الناشئة التي تعاني من ضغوط مالية وتمويلية متزايدة. وضمن هذه المعادلة المعقدة، لم تعد السياسة النقدية أداة استباقية بقدر ما أصبحت أداة لإدارة الأزمات. ولم تعد قرارات تثبيت أسعار الفائدة أو رفعها تعتمد فقط على مؤشرات التضخم التقليدية، ولكنها تتأثر الآن بعوامل خارج نطاق السيطرة النقدية، مثل التوترات العسكرية، وأسعار النفط، واختناقات سلسلة التوريد. وعليه، تكتسب الاجتماعات المتوقعة للبنوك المركزية في شهري أبريل ومايو أهمية استثنائية، إذ تشير التوقعات إلى احتمال استمرار الاتجاه. التشددوخاصة في أوروبا، حيث من المرجح أن تتجه السلطات النقدية نحو رفع أسعار الفائدة بشكل إضافي، في محاولة لاحتواء الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة. ومن ناحية أخرى، يبدو موقف الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أكثر… الحذر، مع الميل إلى التحلي بالصبر في ظل ارتفاع حالة عدم اليقين، وهو ما يعكس التباعد المتزايد في المسارات النقدية بين الاقتصادات الكبرى.

وهذا الواقع يضع المقترضين في عين العاصفة. ولا ينعكس ارتفاع أسعار الفائدة في زيادة الأقساط الشهرية فحسب، بل يمتد إلى إعادة تسعير شاملة للديون، خاصة تلك المرتبطة بأسعار فائدة متغيرة. ومع تآكل القوة الشرائية بسبب التضخم، يجد الأفراد والشركات أنفسهم في مواجهة ضغوط مزدوجة: ارتفاع تكلفة التمويل من ناحية، وانخفاض الدخل الحقيقي من ناحية أخرى. وتخلق هذه الديناميكية ما يمكن أن نطلق عليه “أزمة الدخل الحقيقي”، حيث تتآكل القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية تدريجيا، الأمر الذي يزيد من مخاطر التخلف عن السداد ويفرض ضغوطا على الاستقرار المالي.

وفي مواجهة هذه التحديات، بدأت تظهر مجموعة من أدوات التخفيف، وإن كان تأثيرها محدوداً في بعض الحالات. إن إعادة جدولة القروض، وتمديد آجال الاستحقاق، والتحول إلى أسعار الفائدة الثابتة هي خيارات لتخفيف الضغط الفوري، ولكنها قد ترفع التكلفة الإجمالية على المدى الطويل. كما يساهم السداد الجزئي المبكر، حيثما أمكن، في تخفيف عبء الفائدة، في حين يصبح التحكم في الاقتراض الجديد ضرورة حيوية في بيئة نقدية متشددة. إلا أن هذه الإجراءات تبقى في إطار التكيف مع الواقع وليس تغييره. ومن ناحية أخرى، يظهر المودعون كأحد المستفيدين النسبيين من دورة الفائدة المرتفعة، حيث ترتفع العوائد على الودائع والأدوات المالية قصيرة الأجل. إلا أن هذا المكسب يبقى جزئياً ومشروطاً بمستوى التضخم، إذ قد يكون العائد الحقيقي، بعد احتساب ارتفاع الأسعار، محدوداً. وإلى جانب المودعين، تستفيد البنوك نفسها من اتساع فروق أسعار الفائدة، كما تجني الصناديق النقدية وحاملو السندات الجديدة عوائد أعلى. كما أن البلدان التي تتمتع بفوائض نقدية وعملات قوية تميل إلى تحقيق مكاسب نسبية في هذا السياق، مما يعكس إعادة التوزيع العالمي للمنافع والأعباء.

أما على مستوى الأولويات، فقد شهدت البنوك المركزية تحولا واضحا منذ اندلاع التوترات الأخيرة. وبعد فترة كانت الأولوية فيها هي دعم النمو في أعقاب التباطؤ الذي أعقب الجائحة، عادت مكافحة التضخم إلى الواجهة، حتى لو جاء ذلك على حساب النشاط الاقتصادي. ويعكس هذا التحول الوعي المتزايد بخطر دمج التضخم في التوقعات، وهو ما قد يجعل كبحه في وقت لاحق أكثر تكلفة وتعقيدا. وعليه، تتجه السياسة النقدية الحالية نحو التشدد الاحترازي، في محاولة لمنع الانزلاق إلى دوامة تضخمية يصعب احتواؤها.

فيوفيما يتعلق بتوقعات التضخم على المدى المتوسط، هناك جدل واسع النطاق حول إمكانية استمرار موجاته حتى عام 2027. ولا يمكن وصف هذه التوقعات بأنها مبالغ فيها تماما، حيث أن العوامل الهيكلية، وقد يؤدي انقطاع الطاقة، الذي يؤدي إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد، إلى إبقاء التضخم عند مستويات أعلى من أهداف البنك المركزي لفترة طويلة. لكن الحديث عن موجة تضخم مرتفعة ومستمرة بنفس الوتيرة قد ينطوي على قدر من المبالغة، خاصة في ظل توقعات بتباطؤ الاقتصاد العالمي قد يساهم في كبح ضغوط الأسعار تدريجيا. ومن ثم، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو بقاء التضخم في حالة “لزجة”، أي أعلى من الهدف، ولكن من دون انخفاض حاد.

خلاصة القول هي أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة تتميز بارتفاع نسبي ومستدام في أسعار الفائدة مقارنة بالعقد الماضي، وهو ما يفرض واقعا جديدا على مختلف الفاعلين الاقتصاديين. وفي هذا الواقع، يتحمل المقترضون العبء الأكبر، في حين يحقق المودعون مكاسب محدودة، وتدير البنوك المركزية توازناً دقيقاً بين خيارين مريرين. ومع تقاطع العوامل النقدية والجيوسياسية، يصبح المسار المستقبلي للاقتصاد العالمي أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتنبؤ به، مما يجعل إدارة المخاطر، على المستويين الفردي والمؤسساتي، أولوية لا غنى عنها في السنوات المقبلة.

المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها

#التضخم #هو #الوحش #القادم #العالم #بين #نار #التضخم #ومقصلة #الفائدة #في #زمن #الحرب #صوت #لبنان #صوت #لبنان

التضخم هو الوحش القادم: العالم بين نار التضخم ومقصلة الفائدة في زمن الحرب؟ – صوت لبنان – صوت لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – التضخم هو الوحش القادم: العالم بين نار التضخم ومقصلة الفائدة في زمن الحرب؟ – صوت لبنان – صوت لبنان

المصدر : www.vdl.me

.