دستور نيوز
انطوان العويط
الثلاثاء 24 مارس 2026 – 10:08
المصدر: صوت لبنان
ما شهدناه في غزة لم يكن مجرد حرب تقليدية تقاس بنتائجها العسكرية المباشرة، بل تحولت إلى نموذج كامل لإدارة الصراع بمنطق مختلف عما اعتادته ساحات القتال.
لم يعد الصدام لحظة انقطاع، بل هو مسار ممتد يقوم على اجتياح بطيء وإرهاق طويل، ينتهي بأرض تنتزع تدريجيا من خرائط الجغرافيا ومن الذاكرة الإنسانية معا، حتى تكاد تمحى ليس فقط كفضاء، بل كمعنى ووجود.
ويثير هذا الإطار، بكل قسوته، سؤالا مثيرا للقلق. فهل هو استثناء فرضته ظروف غزة، أم أنه أصبح نمطاً يمكن أن يتكرر في ساحات أخرى؟ وإذا ولدت في مساحة ضيقة ومزدحمة، إلى أي مدى يمكن أن تتوسع أو تتكيف مع مسارح أوسع وأكثر تعقيدا؟
في غزة، لم يبدأ المشهد بانفجار شامل، بل بتسلسل حربي محسوب، وكأن الحرب لا تريد أن تنتهي سريعا، أو أن ذلك غير ممكن، بل تمت إدارته كعملية تفكيك طويلة.
وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت إلى هذا التوجه، من شبكة الأنفاق التي أنشأتها «حماس» والفروع الميدانية التي فرضتها، إلى عقيدتها القتالية، إضافة إلى سعي إسرائيل للحد من خسائرها وتجنب أسر جنودها، فإن ما حدث لم يكن سحقاً ساحقا، بل إنهاكاً في تدفق تراكمي.
ومن انعزل سيتم تدميره وطرده.
كانت حرباً أعادت تعريف المكان نفسه، من الحي إلى الركام، ومن الركام إلى الفراغ، ومن الفراغ إلى ذاكرة مشوهة خالية مما يشكله، في مشهد سريالي صدم وأذهل متابعيه.
وهنا يكمن جوهر هذا النموذج الرهيب في تحويل الأرض إلى معادلة غير قابلة للعيش، بحيث يصبح البقاء عليها ضرباً من الزهد والاستحالة.
وإذا انتقلنا من هذا التوصيف إلى مستوى أوسع، وتحديداً في سياق المواجهة مع إيران، تتضح الاختلافات، لكن التشابه في النهج يظل قائماً.
إيران ليست غزة، لا من حيث المساحة ولا من حيث القدرات، وأي مواجهة معها لا يمكن اختزالها في عملية برية تقليدية. لكن الصيغة المطبقة هناك اتخذت طابعا موازيا، يقوم على تحييد قيادة الصف الأول والثاني والثالث، إلى استهداف واسع للهياكل العسكرية على امتداد الجغرافيا الشاسعة، الظاهرة منها والخفية، من خلال إنهاك الاقتصاد، وصولا إلى تهديد المرافق الحيوية، بما يبقي البلاد في حالة إرهاق دائم، بهدف الإخضاع عبر التفاوض أو بالقوة الفعلية.
وبهذا المعنى تصبح الأرض المحروقة هيكلية في الاستهداف وليس الميداني فقط؛ ولا يقاس التجزئة بعدد المواقع المدمرة، بل بقدرة النظام على الاستمرار ككيان وظيفي.
في لبنان، تبدو الصورة أكثر إشكالية، لأنه لا يُقرأ على أنها هندسة محتملة، بل كمسار يتشكل تدريجياً أمام أعيننا، خاصة في الجنوب النازف. وهنا تتقاطع ملامح النموذجين الغزاوي والإيراني مع واقع ميداني يشبه سياسة إطلاق النار البطيء.
لا يوجد غزو شامل، ولا يوجد حل سريع. تتراكم طبقات من الظروف الميدانية والأيديولوجية، تجتمع مع الخصوصية الجغرافية المانعة، ليس فقط لتشبه ما شهدته غزة أو إيران، بل لتتجاوزه من حيث الصعوبة والتعقيد، إلى درجة تكاد تنتج مشهداً خارجاً عن المألوف، مليئاً بعلامات الاستفهام والدهشة، رغم وضوح موازين القوى، وغياب التكافؤ الموضوعي، واختفاء عناصر الردع.
من هنا، يتقدم نمط يقوم على التهجير التدريجي، والضربات المتقطعة، وزعزعة الروابط الحيوية: إخلاء القرى، وتدمير الجسور، والأماكن التي تنسحب منها الحياة تدريجياً.
في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار بمثابة ذروة، بل كمسار يومي زاحف بهدوء. إنه ليس مشهدًا واحدًا، بل خطًا ينحدر رويدًا رويدًا، حتى يصل إلى نقطة لم يعد فيها ما ضاع مرئيًا فقط، بل ما يتآكل دون أن يُرى، وفي ما قد نفقده دون أن نلاحظ.
إنها «نهاية العالم» الموضعية التي تمارسها وتسعى إليها إسرائيل، وتهدف إلى فصل وتفتيت شروط الوجود نفسها. تظل الجغرافيا ممزقة ومكسورة، لكنها تفقد حياتها من الداخل؛ فيمحى منه ما يجعله صالحاً للسكنى، ومفهوماً، ومستداماً، وينسحب من الوجود كما تنسحب الحياة من الجسد المنهك.
ويبقى السؤال الأعمق، خارج إطار المقارنة بين غزة وإيران ولبنان، ما علاقة تداعيات هذا المسار على الداخل اللبناني، حيث تبدو الجغرافيا السياسية وكأنها تقف على حافة اختبار جديد مشبوه ومخيف ومقلق، وإن لم تتضح معالمه بعد.
إن ما يحدث هنا لا يبدو معزولاً عما حوله، بل ينذر بمستوى مرتفع من التهديد بانفجار أوسع، في لحظة إقليمية مفتوحة على احتمالات بالغة الخطورة. حتى الآن، لا تزال النهاية غامضة، والأسئلة الوجودية التي كان يُعتقد أنها قد نُسيت، تعيد تأكيد نفسها من جديد، بإلحاح أكبر وقلق أعمق.
فكيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب، وإلى أي واقع ستؤدي؟ هل سنجد أنفسنا، قبل أن تصمت المدافع وتنحسر الطائرات، أمام مشهد يعيد ترميم شقوق ما قبل 1975؟ ثم، عندما تنتهي الحرب، هل سنواجه الولادة المتوقعة للبنان الجديد، أم أننا سنواجه عودة قسرية إلى أشكال التراجع التاريخي؟
وفي الختام، وعلى الرغم من قسوة ومرارة بعض هذه الفرضيات، فإن ما هو واضح حتى اليوم هو أن الفصل الأخير لم يُكتب بعد، بل لا يزال متفاعلاً مع إيقاع الميدان، وفي اتصال دائم بين ما كان وما قد يكون.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#عن #نهاية #العالم #الموضعية #لأرض #تمحى.. #عندما #يصبح #البقاء #مستحيلا #صوت #لبنان #صوت #لبنان
عن “نهاية العالم” الموضعية لأرض تمحى… عندما يصبح البقاء مستحيلا – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – عن “نهاية العالم” الموضعية لأرض تمحى… عندما يصبح البقاء مستحيلا – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
