دستور نيوز
مصطفى فحص
الجمعة 20 مارس 2026 – 11:09
المصدر: الشرق الأوسط
يدفع حزب الله جماهير حزبه ومؤيديه ومؤيديه من النخب السياسية والإعلامية والثقافية إلى صياغة روايات مبررة للمواجهة الحالية تتناقض مع الواقع السياسي والعسكري في لبنان قبل معركة الصواريخ الستة، آخذاً في الاعتبار هدفين:
الأول، التنصل من المسؤولية أمام الطائفة الشيعية، التي كانت الأكثر تضرراً من «الحرب الانتحارية» التي دفعتها إليها إيران، والرد على موجة الانتقادات الكبيرة التي تتعرض لها من مختلف الفئات اللبنانية والقوى الحزبية والشعبية نتيجة مغامرتها التدميرية.
الأمر الثاني هو تحميل الدولة مسؤولية أفعاله، وخصوصاً الحكومة، وتحديداً رئيسها نواف سلام.
وفي التعميم الحزبي أو الشعبوي الذي تتبناه قيادة الحزب، تبرز مقارنة حكومة سلام بحكومة الجنرال فيشي الفرنسية إبان الاحتلال النازي. وهي مقارنة سياسية حادة وغير عادلة تستخدم أداة تعبئة ضد سلام وتشويه دور حكومته في إدارة الأزمة، من خلال اعتماد قياس دعائي لا يرتكز على مقاربة تاريخية حقيقية بين الحالتين.
وفي زمن الشعبوية والخيانة والدعاية المخالفة للحقيقة، تحولت حكومة فيشي إلى وجبة يومية تؤكل على الإفطار أو السحور. وقد يكون “الجنرال فيشي” حاضراً في الحصص الغذائية التي يأخذها الحزب من الحكومة ويوزعها باسمه على النازحين، وهو في الوقت نفسه يتهم الحكومة بالإهمال. وليس من المستبعد أن يخرج «فيشي الخائن» من ملفات الفساد التي يحتفظ بها ممثلو الحزب إلى يوم القيامة، أو أن يتم تقديمه في مؤتمراتهم الصحفية المليئة بالتهديد والترهيب، كما حدث لفيشي بعد تحرير فرنسا. ولم يعد مستبعداً أن توزع قيادة الحزب «ألعاباً بلاستيكية» على شكل الجنرال فيشي على أطفال النزوح الذي سببته يوم العيد، ولا تريد أن تتحمل مسؤوليته.
المفارقة أن الحزب له مصلحة في هذه الحكومة، وهو الذي منحها الثقة مرتين، ولم يهدد حتى الآن بالانسحاب منها أو تعليق مشاركتها أو التراجع. بل هي تنتظر يوم القيامة، وتذكر اللبنانيين بما فعلته المقاومة الوطنية الفرنسية بالعملاء بعد انتصارها.
والمفارقة أن الفرنسيين كانوا مقاومة وطنية، وعندما سيطر الحزب على المقاومة احتكرها طائفياً وإيديولوجياً. فالمقاومة، من موقعها الشعبي كفكرة، هي حق الشعوب في الدفاع عن نفسها. ولا يمكن أن يتحول إلى ضرر كبير لهم، أو أن يفقدهم أماكنهم بشكل دائم، ناهيك عن الخسارة الكبيرة في الأرواح والأرزاق. لذلك، لحماية فكرة المقاومة، يجب أن يسمى ما يحدث باسمه: «حزب الله» الذي فجّر الوضع، وأحدث كارثة على الجنوبيين تشبه إلى حد كبير كارثة الفلسطينيين.
وما ينساه الحزب في توجهه الفرنسي هو أن المقاومين الفرنسيين، بعد التحرير، تركوا السلاح، واندمجوا في إعادة بناء دولتهم، وشاركوا في الحياة السياسية كأحزاب، وليس كمقاتلين مقاومين. المقاومة هدف تحرر وليست وسيلة حكم وسيطرة، ولا يمكن أن تكون أداة قمع في الداخل أو الخارج. وهي شعبية وليست جماعة مسلحة ضمن محور إقليمي.
إن ما يلومه الحزب على الحكومة ورئيسها ومعظم اللبنانيين، وما يصفه افتراءاً بكشف ظهر المقاومة، هو في الواقع ما تسبب فيه الحزب نفسه. ولا أحد يتحدى نوايا وأهداف أولئك الذين يدافعون عن قراهم وبلداتهم على الحدود. بل إن الشبهة تكمن في ما ألقت بهم قيادتهم إليه دعماً لطهران.
عملياً، تشبيه حكومة نواف سلام أو تشبيهها بحكومة فيشي هو محاولة مخزية لخيانته ومحاصرة حكومته. وهذا لا يعبر عن قراءة للتاريخ، بل يعبر عن فشل في السياسة. فعندما يفقد حزب ما القدرة على الانخراط في الجدل السياسي ومجادلات السوق، فإنه يلجأ إلى أقسى الاستعارات التاريخية لتوزيع تهم الخيانة على معارضيه.
في الواقع، إن استحضار نموذج فيشي في الجدل السياسي اللبناني يكشف عن أزمة في خطاب من يستخدمه. التاريخ ليس أداة للاتهامات الجاهزة. ومن لا يملك القدرة على الإقناع وتبرير أفعاله وتحمل المسؤولية أمام جماعته لا يمكنه استغلال الأحداث التاريخية التي لا تتطابق مع الواقع الحالي لتصفية حسابات داخلية.
وعليه، فإن رواية حزب الله تكشف عجزه وغطرسته، فيما يعكس توتره مدى المخاطر التي تتعرض لها بيئته، والتهديد الوجودي الذي تشكله للكيان اللبناني والدولة والشعب.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#عن #فيشي #والمقاومة #والتنصل #من #المسؤولية #صوت #لبنان #صوت #لبنان
عن فيشي والمقاومة والتنصل من المسؤولية – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – عن فيشي والمقاومة والتنصل من المسؤولية – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
