دستور نيوز
القنصل محمد الجوزو
رئيس مجلس أمناء صندوق الزكاة في لبنان
في كل مجتمع، تتعايش صورتان: أولئك الذين يملكون وأولئك الذين يحتاجون، وأولئك الذين لديهم فرص وافرة، وأولئك الذين سبل عيشهم محدودة. وبين هاتين الصورتين تأتي الزكاة لتعيد التوازن، ليس كعمل خيري عابر، بل فريضة ربانية تذكرنا بأن المال ليس هدفا نكتنزه، بل أمانة نطهر بها أموالنا ونقيم العدل بين الناس.
يأتي شهر رمضان كل عام ليوقظ فينا معنى العبادة الصادقة، ويعيد ترتيب أولوياتنا الروحية والإنسانية. وفيه نصوم عن الطعام، ولكننا لا نصوم عن مسؤولياتنا. ففيها نراجع أنفسنا، ولكننا نعيد النظر أيضًا في دورنا تجاه مجتمعنا ومسؤوليتنا فيه. ومن هنا لا تظهر الزكاة كقيمة موسمية مرتبطة بزمن معين، بل كفريضة ثابتة تشكل أحد أركان هذا الدين، كالصلاة.
الزكاة ليست صدقة اختيارية، ولا مبادرة خيرية عابرة. بل هي ركن من أركان الإسلام، وقد قرنها الله تعالى بالصلاة في مواضع كثيرة في القرآن الكريم. وكما أن المسلم لا يستطيع أن يختار أداء الصلاة أم لا، فإنه لا يستطيع أن يتعامل مع الزكاة على سبيل التقدير أو التقدير. وهو حق واجب في المال، وحق معروف للفقراء والمساكين.
لكن الزكاة في جوهرها ليست مجرد عملية مالية يتم فيها نقل الأموال من يد إلى يد، بل هي نظام متكامل لإعادة التوازن داخل المجتمع. فهو ينقي النفس من الشح، ويحمي المال من الركود، ويمنع تكدس الثروة في الدوائر الضيقة. فالزكاة تعيد ضخ الموارد في الشرايين الاجتماعية، وتحول الفئات الضعيفة من موقع الهشاشة إلى موقع القوة.
وفي واقعنا اللبناني الصعب، حيث الفقر يتسع والطبقة الوسطى تتآكل، تبرز الزكاة كشبكة أمان اجتماعي حقيقية تعزز الاستقرار المجتمعي وتخفف من حدة الاختلالات الاقتصادية. وعندما تدار الزكاة ضمن رؤية مؤسسية واضحة تقوم على الشفافية والمساءلة وحسن التوزيع، فإن تأثيرها يتجاوز الإغاثة الفورية إلى التمكين الحقيقي الذي يحفظ كرامة الإنسان.
ومع ذلك، فإن مسؤولية المُقرض لا تنتهي عند لحظة السداد. الزكاة أمانة، ومن أخرجها فقد أدى جزءا من الفريضة، لكن يجب عليه أيضا التحقق من مكانها. فكما نحرص على كسب المال من مصدر مشروع، يجب أن نحرص على صرف الزكاة إلى جهة موثوقة تعرف أحكامها، وتلتزم بصرفها المشروع، ولديها آليات تدقيق ومتابعة تضمن وصولها إلى مستحقيها الحقيقيين.
إن دفع الزكاة إلى الجهة المسؤولة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة شرعية وأخلاقية. فالفعل الفردي العشوائي، مهما حسنت نواياه، قد يفتقر إلى الدقة في التحقق من الاستحقاق، والعدالة في التوزيع، واستدامة التأثير. أما العمل المؤسسي المنظم فيخضع الطلبات للدراسة، ويحدد الأولويات وفق معايير واضحة، ويتابع الحالات بانتظام، ويقيس الأثر، ويصحح المسار عند الحاجة.
ومن موقعنا في صندوق الزكاة فإننا نؤمن بأن الزكاة ليست مجرد مساعدة مؤقتة، بل هي مسؤولية قانونية واجتماعية تهدف إلى الحفاظ على كرامة الإنسان ودعم الفئات الأكثر احتياجا. عندما نساعد الطالب على إكمال تعليمه، فإننا لا نغطي الرسوم المدرسية فحسب، بل نفتح الباب للمستقبل. عندما ندعم مريضًا في علاجه، فإننا لا ندفع فاتورة المستشفى فحسب، بل ننقذ أيضًا حياة وعائلة. عندما نقف إلى جانب عائلة محتاجة نخفف عنهم ثقل الحاجة ونحميهم من الانكسار.
هدفنا الأسمى هو نقل المستفيد من فئة “الآخذ” إلى فئة “المعطي”، مما يجعله إنساناً منتجاً يشارك في بناء المجتمع بدلاً من أن يبقى أسير الحاجة.
وتذكرنا الزكاة بأن المال وسيلة وليس غاية، وأن التضامن ليس شعارا بل التزاما عمليا. إذا كانت الصلاة تربط العبد بربه، فإن الزكاة تربط الناس ببعضهم البعض، وتخلق جسور الثقة والرحمة.
فلندفع زكاتنا ونحن على يقين بأنها واجبة وليست خيارا. فلنحرص على أدائها كما أمر الله، في وقتها، حسب طاقتها، وفي اتجاهاتها الصحيحة، ولنوصلها إلى الجهات الأمينة التي تتحمل هذه المسؤولية بوعي وانضباط.
وبذلك تتحقق العدالة الاجتماعية، ويحافظ على التوازن داخل المجتمع، ويحفظ نسيجه من التمزق، وتبقى الزكاة جسراً دائماً للتكافل والتراحم بين الناس.
القنصل محمد الجوزو
#حديث #رمضان #الزكاة #فريضة #تحقق #التوازن #الاجتماعي
حديث رمضان – الزكاة: فريضة تحقق التوازن الاجتماعي
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – حديث رمضان – الزكاة: فريضة تحقق التوازن الاجتماعي
المصدر : www.elsharkonline.com
