دستور نيوز
بقلم عماد الدين أديب
وفي الحرب الدائرة الآن نأتي إلى السؤال الكبير والجوهري الذي يفرض نفسه بقوة: من الرابح ومن الخاسر؟ ومن ينتصر ومن يتضرر؟ ونسأل مرة أخرى: هل فاز الفائز بأغلبية ساحقة بشكل يمكنه من فرض شروط المنتصر؟ هل الخاسر ضائع تماما، مما يجعله مهزوما، فاقد الإرادة لقبول أي شيء يفرض عليه؟
بعض حالات الصراع المعاصرة هي حالة نصف منتصر ونصف مهزوم، وهذه الحالة هي الحل الإنقاذي السحري الذي يؤدي إلى هذه النتائج:
-1 كل طرف معفى نفسيا من الاعتراف بالهزيمة أو تبرير الفشل في تحقيق النصر المطلق.
2- يعطى كل طرف الفرصة ليسوق لجمهوره وللعالم أنه نجح في إيذاء الآخر ومنع الآخر من إيذائه.
وآخر مثال على هذا الوضع هو خروج حماس والحكومة الإسرائيلية في نفس اليوم وفي نفس الوقت لإعلان النصر. وآخر هذه النماذج أيضاً هو خروج «الحزب» وإسرائيل، بعد حرب الدعم الأولى، لإعلان النصر على الآخر.
إن مسألة إخضاع الكبير للصغير ومحاولة الصغير إقناع العالم بأنه قادر على إخضاع الكبير رغم الاختلالات الكبيرة في موازين القوى هي قضية سخيفة تماما. نحن في ظل معادلة عالم كوني يمر بميوعة ويحاول أن يتشكل، ولذلك يخلق حالة من الحيرة والمخيفة من عدم اليقين في كل شيء، الحرب والسلام والاقتصاد والمال والتجارة والعملات والمعادن والطاقة والبيئة والمياه. كل هذا، بكل مشاكله واضطراباته، قرر أن يخوض صراعاته على ساحة مختارة، هي خريطة الشرق الأوسط.
فشل تقدير الموقف
وتحولت المنطقة من دول وأمم وشعوب إلى ساحات قتال واختبار أسلحة جديدة ونشاط استخباراتي محموم. وحتى كتابة هذه السطور أستطيع أن أؤكد، بغض النظر عن الحروب الإعلامية الكلامية والنفسية التي تقوم بها جميع الأطراف، أن التقارير الأمنية والاستخباراتية المتداولة بين عواصم المنطقة تؤكد معلومات أساسية:
أولاً: الفشل التام لجميع الأطراف الأميركية والإسرائيلية والإيرانية وحلفائهم في تقييم الوضع الاستراتيجي قبل بدء العمليات العسكرية، بحيث يفاجأ كل طرف بتصرفات وردود أفعال الطرف الآخر. تقييم الوضع مبدأ استراتيجي ملزم يسبق الحروب، يقوم على جمع البيانات وتحديد الأهداف ومن ثم تقييم الخيارات.
ثانياً: اكتشف الطرف الأميركي أن اغتيال المرشد الأعلى في اليوم الأول للعمليات لا يعني بالضرورة سقوط النظام الإيراني، وأن البنية الحاكمة منذ عام 1979 قادرة على استيعاب تداعيات الاغتيال بكل تفاصيله الصعبة.
ثالثاً: اكتشفت إسرائيل أن تحديث إيران لصواريخها وطائراتها المسيرة منذ حرب الـ 12 يوماً السابقة أدى إلى تحسن نوعي مفاجئ وغير متوقع في مدى وأوزان الانفجارات، ودقة الضربة، والقدرة على تجاوز أجهزة الاعتراض الإسرائيلية المدعومة بالبطاريات والرادارات الأمريكية.
رابعاً: تفاجأت دول الخليج بأمرين:
أولوية المصلحة الأمريكية هي الدفاع عن إسرائيل وتقديم الدعم بالسلاح والإمكانات اللوجستية والصواريخ الاعتراضية لتل أبيب ودعمها أكثر من أي دولة خليجية.
– رغم الاتصالات القوية بين أجهزة الأمن القومي في المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، والقناة الدبلوماسية المفتوحة يوميا مع طهران، إلا أن طهران خانت جيرانها الخليجيين مع تأكيدها أن هذه العواصم مارست كل وسائل الضغط والإقناع على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أجل إثناءه عن مهاجمة إيران، وإسقاط النظام هناك، ومحاولة استبداله بابن الشاه السابق.
الخليج يعترض طائرات إيرانية مسيرة
خامساً: تفاجأ الجميع بقدرة المنظومات الدفاعية في دول الخليج على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية بنسبة تتراوح بين 93% و95% من الهجمات، كما تفاجأوا بقدرة الجبهة الداخلية في هذه الدول على الحفاظ على التماسك السياسي والأخلاقي. التواصل والتفاهم بين رئيس الإمارات وولي العهد السعودي وعودة التنسيق الأمني بينهما بعد الخلاف على اليمن جاء ليؤكد قاعدة عربية خليجية يصعب على غير العرب فهمها: قد نختلف وقد نختلف. في أمور كثيرة، لكن عندما يأتي الخطر من الخارج، وعندما يهدد العدو أمننا وأنظمتنا، تتجمد هذه الخلافات وتدخل ثلاجة النسيان المؤقت.
– إذن نحن في حرب إقليمية. نحن نعلم متى وكيف بدأ الأمر، لكننا لا نعرف كيف ومتى سينتهي. والأخطر أننا في حرب إقليمية، ولا يعرف كيف ستنتهي أو تحل عسكريا، وعناصر تسويتها السياسية عبر التفاوض غير معروفة.
والتخوف الأكيد هو ما أثاره المعلق الأمريكي الشهير تاكر كارلسون في مقابلته مع خبير استراتيجي أمريكي قبل ساعات، من احتمال أن تضطر إسرائيل إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية محدودة ضد إيران بعد أن فشلت جميع العمليات العسكرية المدمرة ضد أكثر من 5500 هدف استراتيجي حيوي في إيران في تحقيق أي من الأهداف التالية:
-1 انهاء المشروع النووي.
-2 القضاء على الصواريخ الباليستية.
-3 إسقاط النظام الحاكم.
-4 تليين الموقف السياسي للمرشد الأعلى الجديد للقبول بإجراء مفاوضات قريبة مع واشنطن.
نتائج معقدة
باختصار، هذه العمليات بدأتها واشنطن وتل أبيب، ثم حولتها إيران إلى حرب إقليمية أدت إلى نتائج معقدة وخطيرة للغاية:
– أولاً: أدى إلى فقدان الثقة بين دول الخليج وإيران.
ثانياً: دول الخليج أعطت درساً تاريخياً بأن الاعتماد على حماية واشنطن أمر محل شك مثبت باليقين. ومن هنا نستطيع أن نفهم الاتصالات الخليجية مع باكستان وتركيا والاتحاد الأوروبي.
– ثالثاً: ثبت لإيران أن الحلفاء في الصين وروسيا وكوريا الشمالية لن يلعبوا أكثر من كونهم تجار سلاح مقابل النفط والغاز، لا أكثر ولا أقل.
– رابعاً: الحماقة الأميركية، والجنون الإيراني، والتآمر الإسرائيلي، كل هذه العوامل الثلاثة تضع دول الخليج في موقف غير اختياري في خنادق التحالفات مع إسرائيل ومع بنيامين نتنياهو، الذي لا يمكن الاعتماد عليه في الخليج بأي شكل من الأشكال.
انقلبت كل قواعد اللعبة التقليدية والمستقرة رأساً على عقب في معركة من هو العدو ومن هو الأخ ومن هو الحليف. كل ذلك يفتح الباب على مصراعيه أمام حالة من عدم اليقين الإقليمي، ستجعل المنطقة تنتقل من إدارة الأزمة إلى محاولة نشر الفوضى.
الجميع يدفع الآن فاتورة الفشل الذريع في تقييم الوضع، وأفضل ما ينطبق على هذا الموقف عبارة ويليام شكسبير لهنري السادس، عندما يقول اللورد كالبوت: كيف وقعنا يا سيدي في فخاخنا؟
عماد الدين أديب
#اختبار #لحرب #شعارها #لم #ينجح #أحد
اختبار لحرب شعارها: «لم ينجح أحد»!
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – اختبار لحرب شعارها: «لم ينجح أحد»!
المصدر : www.elsharkonline.com
