دستور نيوز
بقلم الدكتور ابراهيم العرب
في لحظات مفصلية من تاريخ الدول، تظهر القيادة السياسية القادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، وإعادة توجيه البوصلة الوطنية نحو المصالح العليا للدولة. وفي هذا السياق، تبرز المبادرة التي أطلقها جوزاف عون بشأن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل كخطوة سياسية جريئة، ترتكز على منطق الدولة ومقتضيات السيادة، وتهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية مترابطة: تحرير ما تبقى من الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والعمل على إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين من سجون الاحتلال.
إن قراءة هذه المبادرة من منظور العلوم السياسية والعلاقات الدولية يتبين أنها ليست مجرد اقتراح ظرفي أو رد فعل على التطورات الأمنية، بل هي مقاربة سياسية شاملة تسعى إلى معالجة جذور الأزمة اللبنانية – الإسرائيلية في إطار الشرعية الدولية ومبدأ سيادة الدولة على كامل أراضيها. ولبنان الذي دفع على مدى عقود ثمنا باهظا لأمنه واستقراره واقتصاده، يجد نفسه اليوم أمام فرصة لإعادة صياغة مقاربته لهذه القضية الحساسة بما يحفظ مصالحه الوطنية ويحصن وحدته الداخلية.
وأعربت جهات وطنية عديدة عن دعمها لهذه المبادرة، وعلى رأسها الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان، الذي اعتبرها خطوة شجاعة تخدم المصلحة اللبنانية العليا، مشددا على أن لبنان لا يمكن أن يبقى الدولة الوحيدة بين دول الحلقة التي لم تدخل في مفاوضات مباشرة لمعالجة الصراع مع إسرائيل، في حين تشكل هذه المفاوضات امتدادا طبيعيا لتنفيذ القرارات والاتفاقيات الدولية التي التزم بها لبنان، وأبرزها اتفاق الطائف وقرار مجلس الأمن 1701.
أما على المستوى الوطني والروحي، فقد حظيت المبادرة بدعم واضح من بطريرك أنطاكية وسائر المشرق الماروني مار بشارة بطرس الراعي، الذي أكد أن أي خطوة تهدف إلى حماية لبنان وتعزيز استقراره هي خطوة تستحق الدعم، لا سيما عندما تقترن بدعم المؤسسة العسكرية وتعزيز دورها في حماية الحدود والحفاظ على الأمن الوطني.
ومن الناحية السياسية، تندرج هذه المبادرة ضمن رؤية متكاملة لإعادة الدولة اللبنانية إلى دورها السيادي الكامل، من خلال بسط سلطتها على كامل أراضيها وحصر السلاح في مؤسساتها الشرعية، وهو ما يشكل إحدى الركائز الأساسية في بناء الدولة الحديثة. كما أنه يفتح الباب لمعالجة القضايا العالقة منذ سنوات طويلة، أبرزها استمرار احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية، ومعاناة الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، إضافة إلى معاناة القرى الحدودية التي ظل أهلها متجذرين في أرضهم رغم المخاطر والاعتداءات.
وفي هذا السياق، تكتسب المبادرة بعداً إنسانياً ووطنياً مهماً جداً، لأنها تعيد الاحترام لمعاناة المواطنين اللبنانيين الذين دفعوا ثمن الصراعات الإقليمية. كما أنه يمنح الدولة اللبنانية فرصة لقيادة مسار سياسي يعيد الاستقرار إلى الجنوب ويضع عملية إعادة بناء المناطق المتضررة، من الجنوب إلى البقاع وضاحية بيروت، على طريق الحلول المستدامة.
لكن الأهمية الكبرى لهذه المبادرة هي أنها تعكس فهماً عميقاً لموقع لبنان ودوره في محيطه العربي وفي النظام الدولي. ولبنان، كما أكد الرئيس عون مرارا وتكرارا، ليس ساحة صراع بل بلد لقاء، ودوره التاريخي يقوم على الحفاظ على الحرية وترسيخ قيم الانفتاح والتعايش. ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن حقوق اللبنانيين لا يتعارض مع الالتزام بالقضية الفلسطينية، بل يندرج في إطار رؤية متوازنة تعتبر فلسطين قضية حقوق وطنية وقومية وإنسانية، وتؤكد أن دعمها الحقيقي يمر عبر استقرار الدول العربية وقوة مؤسساتها.
مبادرة الرئيس جوزف عون تمثل، في جوهرها، تعبيراً عن عودة الدولة اللبنانية إلى موقع المبادرة بعد سنوات طويلة من العزلة. وهي خطوة تعكس شجاعة سياسية نادرة في إدارة القضايا السيادية الكبرى، وتؤكد أن لبنان قادر، عندما تكون هناك إرادة وطنية موحدة، على صياغة مسار سياسي يحفظ أرضه ويحفظ كرامة شعبه.
ومن زاوية أعمق، تعكس هذه المبادرة أيضاً وطنية وعروبة جوزف عون الذي أثبت في مسيرته العسكرية والوطنية أنه رجل دولة يضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار. خياره الدبلوماسي لا يمثل موقفا فرديا أو مبادرة معزولة، بل يعبر عن إرادة أغلبية الشعب اللبناني، وتوجه الأغلبية السياسية والبرلمانية. كما يعكس تطلعات الفئات الاجتماعية التي دفعت ثمن الحروب المتكررة من أجل أمنها واقتصادها واستقرارها. وقد سلك الرئيس عون هذا المسار بعد أن تحولت القضية الفلسطينية، في بعض الأحيان، إلى مادة للمزايدة السياسية أو إلى أداة في صراعات إقليمية لا تخدم بالضرورة مصالح لبنان، في وقت يصر فخامته على مبدأ سيادي واضح وهو حصر السلاح بالدولة اللبنانية وحدها، بما يضمن وحدة القرار الوطني ويحمي البلد من الانزلاق إلى حروب لا يقررها اللبنانيون أنفسهم.
وفي هذا السياق، تقف السلطة التنفيذية والأغلبية النيابية والمؤسسة العسكرية صفاً واحداً خلف عماد الوطن وحامي الحريات فخامة العماد جوزاف عون، تقديراً لأخلاقه المعروفة ونزاهته الشخصية وأخلاقه الصلبة وشجاعته في اتخاذ القرارات الصعبة عندما تقتضي المصلحة الوطنية العليا ذلك. وهو رجل لم يُعرف عنه التهاون في الدفاع عن سيادة الدولة، ولا التردد في تحمل الأعباء مهما كانت التكلفة، إذا كان ذلك من أجل حماية لبنان والحفاظ على استقلاله وكرامة شعبه.
لقد علمتنا التجارب التاريخية أن تحرير الأرض واستعادة الحقوق لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بمزيج من الصمود الوطني والحكمة السياسية والعمل الدبلوماسي الفعال. لن تتحرر أراضي الجنوب، ولن يعود الأسرى اللبنانيون إلى وطنهم، ولن يتوقف العدوان الإسرائيلي المتكرر على الضاحية والبقاع وباقي الأراضي اللبنانية، وخطر الاجتياح البري، إلا من خلال مواقف سياسية ودبلوماسية شجاعة من نوع المبادرة التي طرحها الرئيس عون، والتي تحظى أيضاً بدعم دولي مهم، وفي مقدمتها دعم إيمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية الفرنسية، التي طالما مثلت للبنان دولة صديقة كبرى وحارساً للبنان. واستقرارها، وحرص تاريخياً على دعم… سيادتها ووحدتها ومصلحتها الوطنية.
وفي زمن الأزمات المعقدة التي تعصف بالمنطقة، تبقى مبادرة فخامة الرئيس بارقة أمل تعيد الثقة بدور الدولة ومؤسساتها، وتؤكد أن السيادة لا يمكن استعادتها إلا بإرادة وطنية صلبة، ورؤية سياسية حكيمة، وقيادة تدرك أن قوة لبنان الحقيقية تكمن في وحدته، وتمسكه بأرضه، وإصراره على الدفاع عن حقوقه المشروعة بكل الوسائل السياسية والقانونية التي أقرها المجتمع الدولي.
د. ابراهيم العرب
#مبادرة #الرئيس #جوزف #عون. #شجاعة #الدولة #في #استعادة #السيادة
مبادرة الرئيس جوزف عون.. شجاعة الدولة في استعادة السيادة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – مبادرة الرئيس جوزف عون.. شجاعة الدولة في استعادة السيادة
المصدر : www.elsharkonline.com
