دستور نيوز
بقلم د. سمير صالحة
“أساس ميديا”
إن الحرب ضد إيران اليوم، في جانبها الإقليمي، تعيد اختبار أحد أقدم التوازنات السياسية في الشرق الأوسط، وهو العلاقات التركية الإيرانية. ورغم حالات التوتر والتنافس الشديد والصراعات غير المباشرة في أكثر من ساحة ثنائية وإقليمية، فإن البلدين لم يشهدا مواجهة عسكرية مباشرة منذ نحو أربعة قرون، كما أنهت اتفاقية قصر شيرين عام 1639 آخر الحروب بين العثمانيين والصفويين.
ومع احتدام المواجهة على الجبهة الإيرانية ورغبة البعض في توسيعها ونقلها إلى أماكن جديدة في المنطقة، وسط اضطراب شديد في التوازنات الإقليمية، وبعد إطلاق صاروخين باليستيين من داخل إيران باتجاه الأراضي التركية وإسقاطهما الشريك الأطلسي، تبرز أسئلة مركزية: هل اقتربت نهاية هذه الهدنة المزمنة بين الجانبين، أم ستستمع إيران لأنقرة وتعود إلى طاولة الحوار والتفاوض مع واشنطن؟ فهل سيكون لجدول إعادة توزيع النفوذ وتقاسم الجغرافيا الأسبقية على بقية السيناريوهات؟
محاولات لتوسيع الصراع
لقد علمتنا لعبة التراجع السياسي والأمني بين أنقرة وطهران أن العلاقات بين هذين الجارين لا تقاس بالعداء أو التحالف اللحظي، ولا بالانجرار إلى فخ الحرب بهذه البساطة، بل ببنية النفوذ والحسابات طويلة المدى التي لن تتغير إلا مع تحولات جذرية في الجغرافيا السياسية وتغيير حقيقي في البيئة الإقليمية. وهذا ما يريد الطرفان تجنبه وسط محاولات فرضه عليهما بالقوة. فهل ينجحون في ذلك رغم تباين التحالفات ودخول عوامل إضافية جديدة تفتح الطريق أمام السيناريو المظلم؟
بعد أيام من اندلاع الحرب على إيران، بدت المحاولات الدولية والإقليمية لتوسيع الصراع وجذب أطراف جديدة، بما في ذلك تركيا، إلى الصراع. ومن هنا تواجه أنقرة اليوم تحدياً مزدوجاً: حماية مصالحها الوطنية وأمن حدودها، مع رصد آثار التصعيد على أكثر من جبهة مجاورة لإيران، حيث تختلط الحسابات بين الواقعية واستغلال الفرص التي قد لا تعوض، كما حدث عشية الحرب العالمية الثانية، والرد على حسابات المصالح بعد دروس الحرب العالمية الأولى المكلفة والقاسية.
ويحاول البعض جر تركيا إلى ساحات القتال ودفعها نحو فتح جبهتها من الجناح الإيراني. قد تكون صواريخ طهران الباليستية وسيلة وذريعة، لكن ما يأتي بعد ذلك هو ما يقلق صناع القرار في أنقرة. وتتعلق المعادلة الصعبة والمعقدة بحسابات الفرص والمخاوف بشأن المخاطر والتهديدات، رغم أن الموقف التركي حتى الآن هو اغتنام اللحظة التي يحتاج فيها طرفا الصراع إلى جلبهما إلى طاولة الحوار والتفاوض عند الضرورة.
إيران تختبر حدود صبر أنقرة، وأميركا تراقب قدرتها على الموازنة بين الأمن الداخلي والضغط الإقليمي، وإسرائيل تحاول استغلال الفرص لتوريطها لتضرب عصفورين بحجر واحد. وهناك مؤشرات واضحة على أن محاولة جر تركيا إلى ساحة المعركة لن تكون سهلة أو تلقائية، لكن الداخل التركي أيضاً لا يريد أن يرى هذه الاستفزازات والانتهاكات الإيرانية دون رد، حتى لو اعتمد البعض نظرية المؤامرة في تحديد من يطلق الصواريخ.
وترتكز استراتيجية تركيا المستقبلية على إدارة الأزمة بجهد استباقي، من خلال تحييد الاستفزازات واستغلال مركزيتها الجيوسياسية لتعظيم نفوذها في المعادلات الإقليمية دون الانخراط بشكل مباشر في القتال. وإذا استمرت الضغوط، فسوف تحتاج تركيا إلى اتخاذ خطوات مدروسة لضمان حماية مصالحها، بما في ذلك الدفاع عن حدودها وشبكة العلاقات الإقليمية التي بنتها في السنوات الأخيرة. ويشكل الحفاظ على قدرة الردع الاستراتيجي واستخدام العمل الدبلوماسي لتعزيز موقفها الإقليمي الخيار الأكثر أمانا، مع إبقاء احتمالات العمل العسكري المحدود كوسيلة للدفاع مفتوحة.
وتدرك أنقرة أن أي اضطراب داخلي كبير في إيران قد تكون له تداعيات مباشرة على تركيا، سواء من خلال موجات هجرة جديدة أو من خلال تحريك أوراق المكونات على أكثر من جبهة حدودية. ولذلك فإن الاستقرار الشعبي والأمني داخل إيران، حتى في ظل الخلافات السياسية، يبقى بالنسبة لتركيا خياراً أقل تكلفة من سيناريوهات التفكك أو الفوضى.
وتستفيد تركيا من قدرتها وخبرتها على قراءة موازين القوى وتقدير تحركات المعارضين مسبقا. ويمكن لتركيا أن تدخل في سيناريو الرد العسكري المحدود على الرسائل الصاروخية الإيرانية، لكنها لن تسمح بجرها إلى حرب مفتوحة وشاملة. تستغل القوى الإقليمية والدولية كل أزمة للضغط على تركيا، لكن حسابات أنقرة الدقيقة قد تحول هذا الضغط إلى ورقة تفاوض معاكسة لتعزيز نفوذها.
النفس التركي الطويل..
خصوصية التفوق التركي تقوم على الصبر والصبر الاستراتيجي والتحرك المتعمد في كل مواجهة دون الانجرار إلى صراع مجهول المسار. إن تركيا، كما أظهرت التجارب السابقة مع إيران وغيرها، قادرة على تحويل كل محاولة استفزازية إلى درس لتعزيز موقفها الإقليمي دون التسرع في اتخاذ القرارات. إن القدرة على الموازنة بين الضغوط الخارجية والمصالح الوطنية تمثل جوهر قوة تركيا، مما يجعل أي محاولة لجرها إلى ساحة المعركة مستحيلة طالما أنها لا تريد ذلك.
وتتجه المسارات الإقليمية نحو نتيجة أولى انطلاقا من أن إيران ستخسر الكثير من أوراقها في مناطق نفوذها، لكن ذلك قد لا يكون بالضرورة في مصلحة تركيا، خاصة إذا خسرت طهران الحرب مع أميركا وإسرائيل.
ولذلك فإن حسابات أنقرة لا تقوم على فكرة إضعاف إيران بقدر ما تقوم على منع انهيار التوازن الإقليمي الذي استفادت منه تركيا على مدى العقود الماضية.
وإقناع طهران من قبل أنقرة هو الفرصة المتبقية لحماية الثقل والدور الثنائي أمام الطاولة لتوزيع النفوذ الذي تحتاجه، بما في ذلك العواصم العربية والإسلامية النشطة في المنطقة.
ولا يجب إغفال الدور الروسي والصيني والأوروبي، إلى جانب الدول العربية المؤثرة في المنطقة. وتحتاج تركيا إلى دعم هذه الدول في حركتها السياسية وربما التنسيق المباشر معها للضغط على أطراف الصراع.
تجد تركيا نفسها اليوم في موقف صعب وحرج، فهي ملزمة بالحفاظ على أمنها الإقليمي وعدم التنازل عن أوراق التوازن الاستراتيجي التي تمتلكها، لكن الهجمات الصاروخية الاستفزازية على أراضيها لا تزيل إمكانية تدخل الناتو من خلال تفعيل المادة 5 من اتفاق الناتو واتخاذ إجراءات جماعية ضد إيران المعتدية على دولة أطلسية. كل هذا يضع أنقرة أمام خيارات صعبة بين الرد المحدود والعمل الواسع النطاق من خلال الناتو، أو ضمان استمرار حيادها الاستراتيجي.
تركيا اليوم ليست مجرد مراقب، بل هي لاعب يزن خطواته بحذر وحذر. إن الانخراط المباشر مع إيران قد يعقد حساباتها الإقليمية ويضعها في الخندق نفسه مع إسرائيل ضد جارتها التاريخية، وهو ما تحرص على تجنبه. الصواريخ الاستفزازية هي القضية التي يجب الرد عليها.
إن أي تصعيد عسكري على الأرض لا يهم تركيا إلا بالقدر الذي يوفر لها فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها وتخفيف العبء الاستراتيجي. ما يحدث اليوم يفتح المجال لإعادة رسم التحالفات والحسابات والمصالح. وأمام أنقرة فرصة لإعادة التأكيد على استقلالية اتخاذ قرارها بعيداً عن أي حسابات خارجية تحاول جرها إلى الصراع. لكن المعضلة تكمن في استباق الخطوات الإيرانية تحديداً، وليس الأميركية أو الإسرائيلية.
يكشف مسار التاريخ الجيوسياسي بين تركيا وإيران أن العلاقات بين الجارتين ستبقى تحت تأثير التوازنات الإقليمية، وأن المصالح الوطنية ستبقى المعيار الأول في اتخاذ القرارات السياسية الحاسمة. لكن ما يحدث اليوم قد يضع هذا التوازن التاريخي أمام أحد أصعب اختباراته منذ عقود. فهل تنجح أنقرة في إبقاء الصراع خارج حدودها، أم أن تطورات الحرب ستفرض معادلة جديدة لم تشهدها المنطقة منذ قرون؟
سمير صالحة
#الاختبار #الأصعب #الداخل #التركي #يطالب #بالرد #على #إيران
الاختبار الأصعب: الداخل التركي يطالب بالرد على إيران؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – الاختبار الأصعب: الداخل التركي يطالب بالرد على إيران؟
المصدر : www.elsharkonline.com
