.

اراء و اقلام الدستور – انتقادات مدمرة!

سامر الشخشير16 مارس 2026
اراء و اقلام الدستور – انتقادات مدمرة!


دستور نيوز

انتقادات مدمرة!

غزو ​​القرنفل

من التعبيرات الشائعة في الخطاب السياسي والإعلامي «النقد البناء» الذي يبدو للوهلة الأولى ممتعاً. وغالباً ما يتم تقديم هذا المصطلح كشكل مفضل ومرغوب من النقد، خاصة من قبل الجهات أو السلطات التي تتعرض للانتقاد، على عكس ما يسمى “النقد الهدام”، وهو مدمر ومهدد لبنية الدولة، كما صوره مؤلفو جميع السلطات والحكومات على مر الزمن. إلا أن التأمل في طبيعة النقد وهدفه يقودنا إلى نتيجة مختلفة تماما، فالنقد في جوهره لا يمكن أن يكون إلا هداما، لأن وظيفته الأساسية هي هدم فكرة أو سياسة يعتقد الناقد أنها فاسدة أو خاطئة. أما وصف النقد بالبناء فهو في أغلب الأحيان ليس إلا صيغة لغوية مهذبة تحاول السلطة من خلالها تخفيف أثر النقد أو إخضاعه بما لا ينال من هيبتها أو يهدد مكانتها.

تقوم فكرة النقد في الأساس على تسليط الضوء على خلل في فكرة أو قرار أو إجراء أو سياسة عامة دون الاكتفاء بالإشارة إلى هذا الخلل، بل العمل على كشفه وتحليله وبيان خطورته وعدم صحته، وعرض ذلك على الجمهور بطريقة واضحة ومقنعة، بهدف هدم تلك الفكرة أو هذا القرار، أو على الأقل دفع الجهة التي اتخذته إلى مراجعته والتراجع عنه. فالنقد إذن ليس تمرينا لغويا ولا نشاطا استعراضيا، بل هو عمل فكري يهدف إلى هدم وإزالة ما هو باطل أو باطل. فهو ضار، ولذلك فإن وصف النقد بالمدمر ليس اتهاما بقدر ما هو وصف دقيق لطبيعته.

فعندما ينتقد الناقد سياسة اقتصادية مثلا، فإنه يحاول هدم الأساس الذي قامت عليه تلك السياسة، لأنه يرى أن ذلك يؤدي إلى نتائج كارثية. وعندما ينتقد إجراءً ما، أو قراراً إدارياً، أو قانوناً معيناً يرى أنه معيب، فهو يسعى إلى إبطال شرعيته أو إظهار تعارضه مع الدستور، أو مع القواعد القانونية، أو مع مصالح المجتمع. في كثير من الأحيان يكون هدف النقد هو التحذير من الأضرار المحتملة التي قد تنجم عن الاستمرار في تلك السياسات أو الإجراءات، والتي قد تكون أضرار واسعة النطاق وقد يصعب علاج آثارها فيما بعد.

ومن هنا يصبح النقد أداة ضرورية لحماية المجتمعات من أخطاء السلطة أو من انحرافات القرار العام، فهو قرار إنساني. ولذلك فهو قرار معصوم ومعرض للزلات والأخطاء، وكل سلطة مهما كانت درجة كفاءتها معرضة للخطأ في الحكم، أو الانحراف في الممارسة، أو التعسف في الأداء.

فالانتقاد إذن هو الآلية التي تسمح بكشف هذه الأخطاء قبل أن تتحول إلى كوارث. ولذلك فإن المجتمعات التي تسمح بالنقد الحر هي أكثر المجتمعات قدرة على تصحيح مسارها وتصحيح أخطائها، لأن لديها نظام إنذار دائم يكتشف الخلل ويضغط لإصلاحه.

لكن المشكلة تظهر عندما تتعامل السلطة مع النقد باعتباره تهديدا وليس ضرورة وحاجة. في العديد من الأنظمة الاستبدادية، يضيق نطاق النقد ويعاد تعريفه بطريقة تفرغه من محتواه. وهنا يطل مصطلح «النقد البناء» برأسه، باعتباره أسلوب التعبير المفضل والمقبول كنقد لطيف ومهذب ومحدود التأثير، لا يقترب كثيراً من جوهر القرار، ولا يهز أساس السياسة المتبعة. إنه النقد الذي يجوز له الهمس ولا يجوز الصراخ فيه، وبالتالي فهو ليس أكثر من مجرد عمليات جراحية. تجميل لسلطة ترتعش من الحريات، وتخشى اختلاف الآراء، وتؤمن أنها وحدها تملك الحقيقة، وأن كل ما يخالف تلك الحقيقة المتخيلة هو شيء متوحش يمد مخالبه في جسد الدولة ويعمل على هدم بنيتها. لقد كان هذا دائماً جزءاً من أنشودة كل الدول الاستبدادية التي سئمت الانتقادات لأدائها بأي شكل أو مستوى، وتحاول تجميل ذلك بالادعاء بأنها ليست ضد «النقد البناء»، لكنها تخشى على «الوطن» من هؤلاء المنتقدين. أشخاص مدمرون، وهذا غالبًا ما يكون وسيلة لرفض أي انتقاد حقيقي، لأن كل انتقاد جدي، بطبيعته، يهدم رواية رسمية أو يقوض يقينًا مفترضًا، يصبح «هدامًا» في نظر السلطات.

وليس في حقائق التاريخ المعروفة ما يثبت أن الدول تضعف بسبب النقد. بل على العكس من ذلك، هناك أدلة على أنها تتفكك وتتفكك بسبب غيابها. وتستمر القرارات والسياسات الخاطئة التي لا تلقى اعتراضاً أو تدقيقاً، وتتضخم آثارها حتى تتحول إلى أزمات عميقة كثيراً ما ترهق الدولة نفسها وتسهم في تفككها. أما النقد، حتى لو بدا قاسياً أو «هداماً»، فإنه يساهم في نهاية المطاف في تصحيح المسار قبل فوات الأوان.

ولذلك فإن المجتمعات المتعافية لا تخشى النقد، بل تعتبره جزءا طبيعيا من الحياة العامة، وتدرك أن هدم الأفكار الخاطئة شرط أساسي لبناء أفكار أفضل، لأن الهدم هنا ليس غاية في حد ذاته، بل خطوة ضرورية لإزالة ما يعيق التقدم.

ولذلك فإن الخوف الحقيقي لا ينبغي أن يكون من “النقد الهدام”، بل من غياب النقد نفسه، لأن الصمت هو البيئة المثالية لتكاثر الأخطاء ونموها وتصاعدها.

#انتقادات #مدمرة

انتقادات مدمرة!

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – انتقادات مدمرة!

المصدر : www.enabbaladi.net

.