.

اراء و اقلام الدستور – مرثا، مرثا، أنت مهتمة بأشياء كثيرة، ولكن هناك حاجة إلى شيء واحد فقط.

سامر الشخشير14 مارس 2026
اراء و اقلام الدستور – مرثا، مرثا، أنت مهتمة بأشياء كثيرة، ولكن هناك حاجة إلى شيء واحد فقط.


دستور نيوز

بقلم ديفيد عيسى
كل يوم يخرج من يفبرك قضية جديدة ليشغل بها الشعب اللبناني. تارة كان الحديث عن تمديد مجلس النواب، وتارة أخرى عن تعديل حكومي، وكأن لبنان يقف على حافة الانهيار بسبب اسم وزير أو مقعد نائب.
وكأن هذا الاسم أو ذاك قادر على «انتشال اللقيط من البئر» وإنقاذ البلاد من أزماتها المتراكمة.
الحقيقة مختلفة تماما. ما يحدث اليوم ليس إلا محاولة واضحة لتشتيت الرأي العام اللبناني وإغراقه في سجالات داخلية عقيمة، فيما تجري الأحداث الكبرى في المنطقة بسرعة هائلة.
يفتح النقاش حول الانتخابات وكأنها معركة مصيرية، ويطرح تعديل حكومي وكأنه الحل السحري، في حين أن الواقع أن هذه العناوين ما هي إلا تفاصيل صغيرة في مشهد أكبر بكثير.
دعونا نطرح السؤال البسيط والصريح: ما الذي سيتغير فعلياً لو أجريت الانتخابات النيابية اليوم؟ الجواب واضح: بعض الأسماء ستتغير، وربما بعض التوازنات داخل المجلس، وقد تتشكل حكومة جديدة بوجوه مختلفة.
لكن هل سيغير هذا طبيعة النظام السياسي؟ هل سينهي الانهيار الاقتصادي؟ هل سيعيد بناء الدولة ومؤسساتها؟ هل سيُخرج لبنان من دائرة الصراعات الإقليمية المحيطة به؟ بالطبع لا.
لقد عايش اللبنانيون هذا المشهد مراراً وتكراراً. الانتخابات تتبعها، والحكومات تتغير، والشخصيات السياسية تأتي وتذهب، لكن الواقع العميق يظل كما هو.
لأن المشكلة في لبنان ليست مجرد أسماء، بل هي بنية سياسية تعيش أزمة وغير قادرة على اتخاذ قرارات تاريخية تنقذ البلاد.
والحقيقة أن لبنان يواجه اليوم تحديات أخطر بكثير من هذه العناوين. المنطقة من حولنا تمر بفترة تحولات كبيرة، حيث يتم إعادة رسم الخرائط السياسية، وتندلع صراعات وأخرى تتجه نحو التسويات، ومحاور إقليمية تغير مواقعها. إن ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم ليس تفصيلاً عابراً، بل هو مرحلة إعادة تشكيل ميزان القوى التي قد تستمر لسنوات طويلة.
في قلب هذه العاصفة يقف لبنان، البلد الصغير ذو القدرات المحدودة، لكنه مثقل بتاريخ من الانقسامات الداخلية والارتباطات الخارجية. ولذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في إجراء انتخابات نيابية، بل في موقع لبنان ضمن هذه التحولات الإقليمية الكبرى. السؤال الحقيقي ليس متى نصوت، بل كيف نحمي لبنان في وقت يتغير فيه ميزان القوى من حولنا.
هل نحن مستعدون لما يحدث في المنطقة؟ فهل لدينا رؤية وطنية واضحة لكيفية حماية لبنان في ظل هذا الزلزال السياسي؟ فهل تمتلك الطبقة السياسية الشجاعة لاتخاذ قرارات استراتيجية تحصن الدولة وتمنعها من الانزلاق إلى مزيد من الأزمات؟
حتى الآن، يبدو أن هذه الأسئلة ليس لها إجابات.
وبدلا من أن ينشغل المسؤولون بقراءة التحولات الكبرى والاستعداد لها، نجدهم منغمسين في لعبة التفاصيل: مقعد برلماني هنا، وحقيبة وزارية هناك، أو جدل عقيم على مواعيد الاستحقاقات الدستورية. وكأن لبنان يعيش على جزيرة معزولة عن محيطه، وكأن ما يحدث في المنطقة لا علاقة له بنا.
وكل التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة انعكست عليها بشكل أو بآخر. اليوم، ونحن نواجه مرحلة جديدة من التغيرات الجيوسياسية، أصبح من الخطير للغاية أن نبقى أسرى المناقشات التافهة.
إن إلهاء اللبنانيين بنقاشات التمديد والانتخابات والتعديلات الحكومية لن يغير شيئاً في جوهر الأزمة. إن الأزمات التي يواجهها لبنان اليوم أكبر بكثير من حكومة جديدة أو برلمان جديد. المطلوب ليس مجرد تغيير الوجوه، بل إعادة نظر جدية في طريقة إدارة الدولة، ورؤية سياسية وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة، وتضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.
لقد سئم اللبنانيون من تكرار المشهد نفسه: أزمة تتبع أزمة، والحلول المؤقتة تنتقل من مرحلة إلى أخرى. وما لم يتم طرح الأسئلة الحقيقية بجرأة، وما لم تتم معالجة جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بالمسكنات السياسية، فإن أي انتخابات أو تعديل حكومي لن يكون إلا فصلاً جديداً في سلسلة الركود.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج لبنان إلى وضوح الرؤية والجرأة في القرار. إنها تحتاج إلى طبقة سياسية تدرك أن الخطر الحقيقي ليس في مقعد برلماني هنا أو حقيبة وزارية هناك، بل في التحولات الكبرى التي قد تعيد تشكيل مستقبل المنطقة برمتها. إن الاستمرار في سياسة الإلهاء لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: أننا سنستيقظ يوماً لنجد أن الأحداث الكبرى سبقتنا، وأن لبنان دخل مرحلة جديدة من التحديات من دون أن يكون مستعداً لها.
مراراً وتكراراً… لا تحاولوا تشتيت انتباه اللبنانيين. الموضوع أكبر بكثير من التمديد أو الانتخابات. القضية هي مستقبل لبنان نفسه.
ديفيد عيسى

#مرثا #مرثا #أنت #مهتمة #بأشياء #كثيرة #ولكن #هناك #حاجة #إلى #شيء #واحد #فقط

مرثا، مرثا، أنت مهتمة بأشياء كثيرة، ولكن هناك حاجة إلى شيء واحد فقط.

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – مرثا، مرثا، أنت مهتمة بأشياء كثيرة، ولكن هناك حاجة إلى شيء واحد فقط.

المصدر : www.elsharkonline.com

.