دستور نيوز
شفيق طاهر
الخميس 12 مارس 2026 – 12:38
المصدر: المدن
لم تعد الضربات الإيرانية الأخيرة في الشرق الأوسط مجرد رسائل نارية متبادلة ضمن قواعد الاشتباك المعروفة. بل بدت أقرب إلى الاختبار العملي لمتانة البنية الدفاعية الأميركية في المنطقة، لا سيما في حلقاتها الأكثر حساسية، الرادارات وأنظمة الإنذار المبكر. إن ما كشفته صور الأقمار الصناعية والتقارير مفتوحة المصدر بشأن الأضرار المباشرة التي لحقت بالرادارات المتقدمة، في الأردن والبحرين وأماكن خليجية أخرى، لا يمكن قراءته كحادث فني معزول، بل كتطور استراتيجي يطرح سؤالاً كبيراً أمام واشنطن وحلفائها: ماذا يحدث عندما تصبح عين الدرع الصاروخي نفسها هدفاً سهلاً؟
استهداف القلب وليس الأطراف
وتكمن خطورة هذه الهجمات في أنها لم تستهدف منصات الاعتراض أو القواعد الجوية فحسب، بل توجهت إلى قلب المنظومة، أجهزة الرصد والتتبع والإنذار التي تقوم عليها فلسفة الدفاع الصاروخي بأكملها. الرادارات “ايه ان/تي بي واي-2“، المرتبطة بالنظام”ثاد“إنه يمثل عنصرا حاسما في الكشف عن التهديدات الباليستية في وقت مبكر وتوفير البيانات اللازمة لاعتراضها. وينطبق الشيء نفسه على الرادار.”ايه ان/FPS-132“، وهو أحد أبرز أنظمة الإنذار المبكر الثابتة في الخليج. وعندما تتعرض هذه الأنظمة للضرب، لا يقتصر المعنى على الخسارة الفادحة، بل في القدرة على رؤية التهديد قبل وصوله.
ومن هنا يمكن فهم المنطق الإيراني في اختيار هذه الأهداف. وبدلاً من مجرد إطلاق الصواريخ والطائرات بدون طيار على أهداف تقليدية، يبدو أن طهران تسعى إلى تقويض البيئة التي تسمح بالفعل باعتراض هذه الهجمات. الهدف هو تقليل قدرة الخصم على الاستجابة بدقة. ولا يعكس هذا التطور مجرد تحسن في أساليب الهجوم؛ بل يكشف أيضًا عن فهم متقدم لطبيعة الحرب الحديثة، حيث يصبح ضرب عقدة المعلومات أحيانًا أكثر تأثيرًا من ضرب الهدف العسكري المباشر.
الرادارات الثابتة هي هشاشة المجال
وأكثر ما يربك الولايات المتحدة هو أن هذه الرادارات، على الرغم من تكلفتها الهائلة وتطورها الفني، تبدو وكأنها أهداف ثابتة، وموقعها معروف ويمكن تتبعها بسهولة عبر صور الأقمار الصناعية والخرائط المفتوحة. وهذا يعني أن التفوق التكنولوجي وحده لا يكفي في ظل غياب رؤية دفاعية مرنة ومتعددة الطبقات. ولا يمكن أن تعتمد حماية هذه المواقع على مكانتها التقنية أو بعدها الجغرافي فحسب، بل تتطلب شبكات وثيقة لمكافحة الطائرات بدون طيار والتهديدات على ارتفاعات منخفضة، وهي التهديدات التي أثبتت مرارا وتكرارا قدرتها على إرباك الأنظمة المصممة في المقام الأول لمواجهة الصواريخ الأكبر والأسرع.
ولا تتوقف المشكلة هنا، بل تمتد إلى معضلة أكثر تعقيدا تتعلق بتكلفة التعويض وبطء عملية الإحلال. هذه الرادارات ليست معدات ميدانية عادية يمكن سحبها من المستودعات أو استبدالها خلال أسابيع. بل هي أنظمة استراتيجية باهظة الثمن، يقدر سعر بعضها بمئات الملايين من الدولارات للوحدة الواحدة، والبعض الآخر جزء من صفقات تزيد قيمتها على مليار دولار. والأهم من ذلك، أن هذه الأنظمة لا يتم إنتاجها بأعداد كبيرة، بل ضمن سلاسل تصنيع محدودة ومعقدة، ما يعني أن فقدان رادار واحد قد يضغط على الشبكة بأكملها، وليس فقط الموقع المستهدف.
وتزداد المشكلة حدة لأن تصنيع هذه المنظومات أو إعادة نشر البدائل لها يتطلب وقتا طويلا قد يمتد إلى أشهر عديدة، نظرا لتعقيد مكوناتها الإلكترونية وارتباطها بشبكات القيادة والسيطرة والاستخبارات الواسعة، إضافة إلى ضرورة اختبارها ودمجها ميدانيا قبل أن تصبح جاهزة للعمل بكفاءة كاملة. ولذلك فإن أي ضرر يلحق بها، حتى لو بدا جزئياً أو قابلاً للإصلاح، لا يقاس فقط بحجم الخسارة المادية، بل بما تتركه من فجوة زمنية وعملياتية في نظام الإنذار المبكر، ما يعني تراجع القدرة على الرصد المسبق، وارتباك في حسابات الردع، وهي كلفة استراتيجية قد تكون أكبر من الضربة نفسها.
واشنطن تواجه مراجعة استراتيجية
ومن الناحية السياسية، تفتح هذه الضربات الطريق أمام مراجعة أوسع للدور الأمريكي في المنطقة. ويذكرنا بأن البنية الأمنية التي يتم تسويقها منذ سنوات على أنها شبكة ردع متماسكة، ليست منيعة، وأن الإيرانيين لم يعودوا يكتفون باحتواء الضغوط أو امتصاصها، بل انتقلوا إلى البحث الممنهج عن العيوب الهيكلية في المنظومة الدفاعية نفسها، على الأرجح بمساعدة تقنية وإعلامية روسية، مما يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة توجيه استثماراتها نحو الأقمار الصناعية وأنظمة الاستشعار المتنقلة، بدلاً من الاعتماد بشكل مفرط على الرادارات الأرضية الثابتة. وهذا في حد ذاته إشارة تحذير استراتيجية تتجاوز حدود الضربة ونتائجها المباشرة، لتلامس جوهر توازن القوى العسكري في الشرق الأوسط، وفي أماكن أخرى حول العالم.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#هجمات #إيرانية #على #الرادارات #الأميركية. #تستهدف #القلب #صوت #لبنان #صوت #لبنان
هجمات إيرانية على الرادارات الأميركية.. تستهدف القلب – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – هجمات إيرانية على الرادارات الأميركية.. تستهدف القلب – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
