.

اراء و اقلام الدستور – إيران… كوبا الأعظم في الشرق الأوسط

سامر الشخشير12 مارس 2026
اراء و اقلام الدستور – إيران… كوبا الأعظم في الشرق الأوسط


دستور نيوز

بقلم نديم قطيش
“أساس ميديا”
كيف يبدو النصر على إيران فعلياً؟ هذا هو السؤال الأساسي الذي يؤرق غرف العمليات من واشنطن إلى تل أبيب ومن الخليج إلى الصين وأوروبا وبقية الكون. بعد ثمانية أيام من الحملة الجوية الأكثر عنفاً منذ الحرب العالمية الثانية، والتي بدأت بمقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، واستمرت نحو تقويض متزايد للقدرات الصاروخية الباليستية والبحرية والنووية والدفاعية، وتدمير هياكل قيادة الحرس الثوري، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الحرب ستطيح بنظام الجمهورية الإسلامية. لكن الأمر المؤكد هو أن إيران بدأت عملية تحول سريعة للغاية لتصبح «كوبا الكبرى» في الشرق الأوسط.
ولم يمت الحرس الثوري بوفاة خامنئي، حتى لو نزعت عنه قشرة القداسة الدينية. وما تبقى هو آلة ضخمة أتقنت، قبل كل شيء، فن البقاء. فنحن نواجه مزيجاً معقداً من الحملات الجوية المدعومة بأعلى مستويات التغلغل في إيران، الدولة الثورية التي لا تزال تحتفظ بقدر معقول من قاعدتها الاجتماعية، وحسابات البقاء العنيدة التي يجريها أهل النخبة في النظام، وخاصة داخل الحرس الثوري. فالحرس ليس مثل «الحرس الجمهوري» في عهد صدام حسين، أي تلك الطبقة الرقيقة التي غطت جسد الدولة الوطنية التقليدية ثم انهارت بسقوط القائد. بل هو العصب الحيوي للاقتصاد السياسي الإيراني برمته، من خلال الشركات التي يملكها، وهو الذي يدير الحدود، ويسيطر على الاستخبارات، وينظم عملية الخلافة.
صحيح أن فرضية تفكك الحرس الثوري قوية، وأن المزيد من التصفيات في صفوف القيادة العليا للجهاز من المرجح أن ينتج عنها تكتلات متضاربة. ومع ذلك، فإن الإمبراطورية الاقتصادية الواسعة للحرس الثوري، في مجالات البناء والطاقة والاتصالات والمال والتهريب، تظل الحافز المؤسسي الذي يدفع تماسكه ويتجنب الحرب الأهلية أو حروب أجنحته. وتدرك الأجنحة المعارضة أن قتالها يعني خسارة البنية التحتية الاقتصادية التي قد تتنافس على السيطرة عليها، وهذا بالضبط ما يوضحه المثال الكوبي. لم تستمر الثورة بسبب تلاحم المؤمنين بها، بل لأن من استفاد منها رفض الانهيار الكامل وخسارة كل شيء.
كل ما تبقى هو ثورة محنطة
نجت كوبا من خليج الخنازير، وأزمة الصواريخ، ووقف الدعم السوفييتي. لقد صمدت أمام نصف قرن من الحصار، والتفكك الداخلي، ووفاة مؤسسها الأسطوري فيدل كاسترو. لكن ما فشلت في فعله، وما أغلقه النموذج الكوبي إلى الأبد، هو القدرة على تصدير ثورتها. غادرت الصواريخ عام 1962، وتلاشت المغامرات في أنغولا وأميركا اللاتينية تدريجياً، ولم يبق سوى ثورة محنطة، ظالمة في الداخل، مهمشة في الخارج، ميتة اقتصادياً، لكنها باقية على عناد يحبط شعبها ومعارضيها.
وكانت كوبا مجرد مصدر إزعاج كاريبي متمكن، في حين أن إيران دولة يسكنها 95 مليون نسمة، وتسيطر على أخطر مضايق الطاقة في العالم، وتحدها برا وبحراً 15 دولة في جغرافية أكثر تعقيداً. ومع ذلك، فإن المنطق السياسي يتطابق تماما. وبمجرد تجريد الدولة الثورية من وظيفتها التصديرية، لن يبقى سوى جهاز للقمع الداخلي وصناعة الإرهاب كبديل لإفلاس الأيديولوجيا وتبخر محتواها. دولة ثورية خسرت ثورتها وتحتفظ بسجنها.
هذه هي إيران التي تخرج من ثنايا «عملية الغضب الملحمي». لقد فقد محور العملاء تماسكه حتى قبل سقوط القنبلة الأولى على طهران. لقد استنفد “الحزب”. وكانت عودتها إلى لعبة التدخل أقل بكثير مما كان متوقعا. “حماس” مدمّرة بالكامل، وسوريا ما بعد الأسد متماسكة، وليس لدى الحوثيين الكثير ليضيفوه إلى معادلة الحرب بعد انتقالها إلى إيران.
ومما يزيد من تفاقم هذا التحول أن المرشد قد يكون المرشد الأخير في تاريخ إيران الإسلامية. ولا توجد شخصية في «مجلس القيادة المؤقتة» تتمتع بالثقل الفقهي أو السياسي أو الشعبي الذي استمده خامنئي من حيوية «ولي الفقيه» قبل وضعه على المحك، ومن نحو أربعة عقود من السلطة. ثم إن تجربة اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان لدول الخليج وتعهده بعدم استهدافها، ثم استمرار الصواريخ والمسيرات وكأن شيئاً لم يكن، كشفت بوضوح أن من يحكم إيران بعد مقتل المرشد الأعلى ليس الأطر المؤسسية المعلنة، بل «المؤسسة الخام للحرس الثوري»، أي أمر واقع لا شرعية له، وجنون عسكري فوق جثة المشروع الأيديولوجي. وكما جاء راؤول كاسترو بعد فيدل، ثم تبعه جهاز الحزب، فإن الحرس الثوري سيتولى المسؤولية بعد خامنئي، وقد تستمر الثورة كجهاز بيروقراطي، لا أكثر ولا أقل.
النصر من المنظور الأمريكي
وهذا الواقع يتطلب توضيح ما يعنيه النصر وما لن يعنيه في المستقبل المنظور. قد لا تكون مطالبة دونالد ترامب بـ”الاستسلام غير المشروط” أكثر من مجرد عرض سياسي. التعريف المحتمل للنصر هو بالضرورة أضيق:
صفر منشآت نووية وأجهزة طرد مركزي، صفر تخصيب، صفر مخزون من اليورانيوم المخصب، صفر صواريخ باليستية. هذا بالإضافة إلى إنهاء قدرة إيران على ممارسة أي شكل من أشكال القوة خارج حدودها، والعزلة الاستراتيجية التي ترفع تكلفة إعادة البناء بما يتجاوز ما يمكن أن يتحمله الاقتصاد المختنق بالعقوبات.
هذه هي أهداف الحملة العسكرية، وليست النتائج “الحضارية” المتغيرة للحرب. وهو لا يتطلب اختفاء الجمهورية الإسلامية، بل يتطلب أن يتوقف تأثيرها عند حدودها، وهو بالضبط ما أصبح عليه النموذج الكوبي.
لذلك، ما لم يتوفر مسار يمكن الاعتماد عليه نحو الإطاحة المنظمة بنظام الجمهورية الإسلامية في إيران، فإن “الكعبة” (النموذج الكوبي) هي الهزيمة الفعلية. وفي هذه الحالة فإن المصير المرجح للجمهورية الإسلامية سيكون غروب الشمس الطويل لثورة محنطة تحكم شعباً بقوة الرعب والدم، ومن دون أي قدرة على ممارسة أي نفوذ خارج حدوده.
نديم قطيش

#إيران.. #كوبا #الأعظم #في #الشرق #الأوسط

إيران… كوبا الأعظم في الشرق الأوسط

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – إيران… كوبا الأعظم في الشرق الأوسط

المصدر : www.elsharkonline.com

.