دستور نيوز
المهندس علي نور الدين عساف – المركز الاسلامي
ما إن يلوح هلال رمضان في الأفق، حتى تنبض القلوب شوقا، وتبدأ رحلة التجديد مع الله، رحلة النقاء والمراجعة والسمو.
تتغير إيقاعات الأيام، وتلين القلوب، ويشعر المؤمن أن أبواب الرحمة قد انفتحت على مصراعيها. رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام، وفريضة عظيمة فرضها الله ميداناً عملياً للتقوى، ومدرسة سنوية تعيد النفس إلى توازنها، وتربطها من جديد بخالقها في أعلى صور العبودية.
الصوم في جوهره عبادة خالصة، سر بين العبد وربه. ولذلك جاء في الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به». وهذا الوعد الإلهي يكشف عظمة الأجر وخصوصيته، إذ يتولى الله تعالى شخصياً أن يكافئ الصائمين بفضله غير المحدود. للصائم فرحتان: فرحة عند فطره عند إتمام نعمته، وفرحة عند لقاء ربه عندما يرى ثواب صبره. وهي مكافأة تتجاوز حدود الحساب البشري، وتملأ القلب بالأمل والثقة في كرم الله.
ومن أعظم مقاصد الصيام أنه يعلم الإنسان ضبط النفس. والامتناع عن المباحات ساعات طويلة يدرب النفس على ترك المحرمات طوال العام. ولذلك لا يصح الصوم إذا اقتصر على الجوع والعطش. بل يتحقق بصيام الجوارح عن الخطأ، واللسان عن الأذى، والعين عن الحرام، والقلب عن الحقد والنفاق. رمضان فرصة صادقة لمراجعة النفس، وطي صفحات النواقص، وفتح صفحة جديدة عنوانها التوبة الصادقة والعزم على الاستقامة والثبات على طريق الخير.
الصيام له أيضا تأثير صحي. وقد قال الناس: “صموا تصحوا”. فالصيام يريح الجهاز الهضمي، وينظم نمط الحياة، ويعيد التوازن بين الحاجة والرغبة. فهو يقلل من تجاوزات الجسم ويذكره بحدوده. لكن الصحة الأعمق هي صحة النفس، عندما يتحرر الإنسان من سطوة العادة، ويكتشف أن قوته الحقيقية تكمن في قدرته على الامتناع والصبر، وليس في كثرة ما يملك أو يستهلك.
في رمضان تتجسد معاني التضامن في أجمل صوره. إنه شهر الزكاة والصدقات، حيث يلتقي الصيام الجسدي بالعطاء المالي في مشهد كامل من العبودية. الزكاة ركن من أركان الإسلام، وهي طهارة للمال والنفس. وأما الصدقة في هذا الشهر فأجرها مضاعف، وأثرها في المجتمع أعظم. عندما يشعر الصائم بألم الجوع يدرك حاجة الفقير فيمد له يد العون بالحب والإخلاص. هكذا يبني رمضان مجتمعاً متسامحاً، تتشارك فيه البيوت الإفطار، وتتعانق فيه القلوب قبل الأيدي، وتسمو فيه قيم العطاء والإيثار.
رمضان شهر القرآن الذي أنزل فيه الهدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. وفي لياليها ترتفع أصوات التلاوة، وتتزين المساجد بخشوع القائمين، ويجد المؤمن في كل آية رسالة تمس قلبه وتوقظ ضميره. قراءة القرآن في هذا الشهر عبادة عظيمة. بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء. الحرف الواحد يكتب لصاحبه أجرا، فكيف بمن ختم كتاب الله مرة بعد مرة، أو قرأه بتفكر وخشوع؟ القرآن في رمضان نور على نور. فهو يصفي القلب، ويستقيم العقل، ويبعث الطمأنينة لمن يقترب منه بصدق وإخلاص.
ثم تأتي العشر الأواخر، وتصل الرحلة ذروتها في ليلة القدر، وهي ليلة خير من ألف شهر. فيه تتنزل الملائكة بالسلام، وتكتب فيه الأحكام، وتفتح فيه أبواب القبول. إنها فرصة العمر التي تتكرر كل عام، ولكن لا ينالها إلا من اجتهد وعاش الليل بالإيمان والأمل. ومن أدركه بقلب حاضر، خرج منه كأنه مولود من جديد، مغفورًا له الخطيئة، مرفوعًا في الدرجات، متجددًا في العهد مع الله.
وهكذا يسير رمضان بشكل متكامل: الصيام يطهر النفس ويقوي الإرادة، والزكاة تطهر المال وتنشر الرحمة، والقرآن يحيي القلب وينير الطريق، وليلة القدر تفتح أبواب السماء وتسكب في النفوس سلاماً لا يوصف. وهدفه الأعظم هو أن نخرج منه بقلوب أخلص، ونفوس أطهر، وأخلاق سامية، وعزم أكيد على مواصلة الخير بعد انقضاءه. فإذا انتهى الشهر وبقي أثره في سلوكنا وعباداتنا ومعاملاتنا فقد أدركنا رسالته الحقيقية. ونسأل الله أن يجعلنا من الصائمين والقائمين، وأن يرزقنا المغفرة والقبول والعتق من النار، وأن يعيده علينا أعواماً عديدة ونحن على طاعة واستقامة.
المهندس علي نور الدين عساف
#حديث #رمضان_رمضان. #رحلة #الإيمان #في #شهر #القرآن
حديث رمضان_رمضان.. رحلة الإيمان في شهر القرآن
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – حديث رمضان_رمضان.. رحلة الإيمان في شهر القرآن
المصدر : www.elsharkonline.com
