دستور نيوز
شفيق طاهر
الثلاثاء 10 مارس 2026 – 10:07
المصدر: المدن
في لحظات الحروب الكبرى، يتم اختبار الدول ليس فقط من خلال قوة ترسانتها العسكرية، بل وأيضاً من خلال قدرة مؤسساتها على البقاء عندما تتلقى ضربة في الرأس. ومن هنا تبرز عقيدة الدفاع الفسيفسائية الإيرانية، وهي عقيدة مصممة لليوم الذي يتم فيه استهداف القيادة العليا، وقطع الاتصالات، وتحول المعركة من المواجهة التقليدية إلى اختبار قاس لقدرة النظام على الصمود من الداخل.
وبعد الحملة الجوية الأميركية الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي، وما رافقها من استهداف للقيادة العليا الإيرانية، أصبح من الواضح أن طهران لم تجد بديلاً سوى اللجوء إلى عقيدة الطوارئ التي أعدتها مسبقاً لمثل هذا المشهد. وهنا يظهر فسيفساء الدفاع، ليس كخطة عسكرية فحسب، بل كآلية بقاء لنظام يعرف أن أخطر ما يمكن أن يواجهه في زمن الحرب هو الشلل المركزي.
اللامركزية المتعمدة لحماية الدولة
ويقوم هذا المذهب على مبدأ تفكيك مركزية اتخاذ القرار العسكري وتوزيعه على المستويات الأدنى. فبدلاً من ربط كل حركة ميدانية بالقيادة المركزية في طهران، قبل سنوات، أعيد تنظيم الحرس الثوري الإيراني إلى 31 هيكلاً قيادياً، واحد للعاصمة وواحد لكل محافظة. والهدف هو ضمان احتفاظ كل منطقة برئيسها الأمني التنفيذي وقدرتها على المبادرة، حتى لو انهارت حلقة الاتصال مع المركز أو تم استهداف القيادة العليا.
في ظل الظروف العادية، قد تبدو هذه الصيغة أقل كفاءة من النظام المركزي الصارم، ولكنها تتحول في ظروف الحرب الشاملة إلى وسيلة دفاع قيمة. فالجيش الذي أصيبت قيادته المركزية قد يصاب بالشلل التام، في حين أن الجيش الذي وزع صلاحياته مقدما يصبح أكثر قدرة على استيعاب الضربة ومواصلة العمل. وهذا ما تحاول إيران البناء عليه اليوم. وتتحرك تشكيلات الحرس الثوري والباسيج وفق تعليمات عامة محددة سلفا، فيما تتواصل الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة رغم خسارة قمة الهرم العسكري والسياسي. الرسالة واضحة: لقد أصيب النظام، لكنه لم ينهار.
سيف ذو حدين
ومع ذلك، فإن هذه المرونة ليست ميزة إيجابية صافية. بل هو، في جوهره، سيف ذو حدين. وفي المقابل، فإن العقيدة التي تمنح الوحدات المحلية حرية الحركة والاستمرارية، تستبعد عناصر أخرى لا تقل أهمية: الانضباط العسكري، ووحدة القرار، والتماسك الاستراتيجي. والوحدات التي يصعب على الأميركيين والإسرائيليين القضاء عليها لأنها متوزعة ومتناثرة، هي نفس الوحدات التي من الأرجح أن تعمل خارج الإيقاع العام، أو أن تتخذ قرارات بناء على قراءة جزئية للمشهد، أو أن تمضي في عمليات تفوق مكاسبها العسكرية تكلفتها السياسية، وهو ما حدث مع قصف دول الجوار.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية. وكلما توسعت اللامركزية، زادت قدرة إيران على منع الانهيار العسكري السريع، لكنها في الوقت نفسه تزيد من احتمالات التشرذم داخل ساحة المعركة. ويصبح من الصعب حشد القوة في ضربة مركزة، أو تنسيق العمليات بين الجبهات، أو السيطرة بدقة على حدود التصعيد. ومع انتقال القرار من المركز إلى المحافظات والميدان، تزداد مساحة التقدير الفردي، ويزداد معها خطر الخطأ.
من الردع إلى الانزلاق
لذا فإن خطر الانزلاق لم يعد نظريا. وتحدثت الأخبار عن هجمات كبيرة على دول الخليج العربي، وإطلاق صواريخ إيرانية في الأجواء التركية، واتهامات أذربيجان لطهران بتنفيذ هجمات بطائرات مسيرة بالقرب من مطار ناخيتشيفان، مما يكشف مدى سهولة تحول الحرب اللامركزية إلى صراع يتجاوز ساحته الأصلية. وعندما يتم توزيع منصات إطلاق الصواريخ والطائرات بدون طيار بين وحدات معزولة نسبياً عن المركز، يصبح هامش الخطأ أكبر، ويصبح احتمال توسيع الصراع غير المقصود أكثر واقعية.
اللامركزية لا تعوض الاستنزاف
هناك جوانب أخرى لهذه العقيدة تتعلق بالواقع المادي للحرب. يمكن للدفاع الفسيفسائي أن يوزع القرار، لكنه لا يستطيع تعويض الاستنزاف في السلاح والبنى التحتية. ولا تزال إيران تعتمد، في قدرتها على الرد، على الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار، أي على أدوات تحتاج إلى مخزون ومنصات إطلاق ومرافق إنتاج وصيانة. وإذا نجحت الضربات الأميركية الإسرائيلية المتواصلة في تدمير هذه القواعد أو الحد من قدرتها على التجدد، فإن اللامركزية ستتحول من ميزة تشغيلية إلى مجرد وسيلة لتأخير التدهور.
لذلك، لا ينبغي قراءة الدفاع الفسيفسائي الإيراني دليلاً على القوة، بل اعترافاً ضمنياً بأن طهران توقعت سيناريو استهداف القيادة، واستعدت له بتوزيع القرار قبل وقوعه. صحيح أن هذه العقيدة تجعل من الصعب الإطاحة بإيران سريعا أو شلها بضربة مركزية واحدة، لكنها في المقابل تجعل المشهد الأمني الإيراني أكثر غموضا وأقل قابلية للسيطرة عليه. فهو يحمي النظام من الانهيار الفوري، لكنه قد يدفع المنطقة برمتها إلى حالة أكثر خطورة من الفوضى وسوء التقدير والانزلاق إلى حرب أوسع.
ولهذا السبب على وجه التحديد، يبدو الدفاع الفسيفسائي الإيراني بمثابة سيف ذو حدين يحافظ على القدرة على البقاء، لكنه في الوقت نفسه يرفع تكلفة ومخاطر البقاء.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#الدفاع #الفسيفسائي #الإيراني #سلاح #ذو #حدين #صوت #لبنان #صوت #لبنان
الدفاع الفسيفسائي الإيراني سلاح ذو حدين – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – الدفاع الفسيفسائي الإيراني سلاح ذو حدين – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
