.

اراء و اقلام الدستور – بين وهم الإيمان والاستهتار اليائس – صوت لبنان – صوت لبنان

اراء و اقلام الدستور – بين وهم الإيمان والاستهتار اليائس – صوت لبنان – صوت لبنان


دستور نيوز

لقد نسي سام

الاثنين 9 مارس 2026 – 10:18

المصدر: الشرق الأوسط

مرة أخرى يؤخذ لبنان بالقوة إلى حيث لا يريد، في قلب عاصفة زلزالية إقليمية، نتيجة إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل، ردت الأخيرة بقصف عنيف استهدف قرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وتوغل إضافي في الجنوب. ودفعت هذه التطورات مجلس الوزراء إلى اتخاذ موقف غير مسبوق أدان فيه هذه الخطوة، واعتبرها تعديا على الدولة وقراراتها، معلنا حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله. اللافت في هذا التطور، رفض الشريك في الثنائي الشيعي، حركة أمل، الاعتراض، في إشارة سياسية لها انعكاسات على مستوى البيئة الحاضنة والتوازنات الداخلية تتجاوز اللحظة العسكرية. بموازاة ذلك، أبلغت الإدارة الأميركية لبنان أن اتفاق وقف الأعمال القتالية المبرم بعد حرب الدعم والاحتلال لم يعد قائما، وأن واشنطن لم تعد مستعدة لتقديم الدعم العسكري للجيش اللبناني في ظل استمرار واقع السلاح خارج البلاد.

التطورات تفتح الباب أمام سؤال لم يعد قابلاً للتأجيل: إذا كان اتفاق وقف الأعمال العدائية قد تم بين إسرائيل وطرف غير دولة، وكانت السلطة اللبنانية مجرد وسيط عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، أفلا يفرض الواقع الجديد الانتقال إلى إطار مختلف؟ أي إلى اتفاق بين إسرائيل والدولة اللبنانية نفسها، والذي سيكون امتداداً محدثاً لاتفاقية الهدنة، ويقوم على مبدأ واضح يقضي بوقف تورط لبنان في الصراع العسكري مع إسرائيل، ووضع حد نهائي للأعمال العدائية عبر الحدود؟ ولا يعني هذا الاقتراح انتقال لبنان إلى موقع سياسي جديد في الصراع، بل إعادة تأسيس موقعه الدستوري كدولة، بعد عقود من تآكل عملية صنع القرار السيادي.

وهذه المناقشة مبنية على الواقعية التي أثبتتها التجربة. لقد أظهرت الحروب المتكررة أن لبنان يدفع ثمناً يفوق قدرته بكثير، في حين أنه يفتقر إلى الأدوات اللازمة للتأثير على مسار الصراع، ليصبح ساحة صراع بدلاً من أن يكون طرفاً حاسماً. ومن هنا فإن تحديث منطق التهدئة بضمانات دولية لا يقدم كقفزة نحو تسوية كبرى أو سلام نهائي، بل كخيار قائم على إدارة المخاطر الوطنية. أي خفض التكاليف الوجودية وحماية الاستقرار الداخلي. إن الدول الصغيرة لا تختار بين الحرب والسلام بقدر ما تسعى إلى حماية نفسها من الانهيار، وقد انتقلت دول عربية عديدة إلى هذا النهج بعد عقود من المواجهات المفتوحة. ويكتسب هذا النهج أيضاً شرعية تاريخية. وفي عام 1949، لم تكن اتفاقية الهدنة استسلاماً، بل خياراً سيادياً لحماية الدولة الوليدة. وربما يواجه لبنان اليوم لحظة مماثلة تتطلب شجاعة سياسية لاتخاذ خيار عقلاني يحمي المجتمع والاقتصاد، دون أن يعني خروجا عن التوافق، أو تراجعا عن القضية الفلسطينية، خاصة أن استمرار الحروب لم يحقق له تقدما حقيقيا، بل أضعف مؤسساته وعمق انقساماته، في حين أن استقرار لبنان قد يسمح بدعم الحقوق الفلسطينية عبر وسائل سياسية ودبلوماسية أكثر فعالية.

انطلاقاً من هذه الواقعية، فإن الرهان هو الانطلاق الفوري لمسار دبلوماسي من خارج الصندوق يهدف إلى مشروع دولي – إقليمي متكامل يعيد للبنان شرعيته الدولية ويحدد دوره الإقليمي من موضع العقوبات والضغوط إلى شريك في الاستقرار الإقليمي. ويرتكز هذا المسار على تثبيت سلطة الدولة في قرار الحرب والسلم، وربط استقرار الجنوب بخطة إنقاذ اقتصادي تعيد إطلاق الدعم والاستثمار، وتأمين ضمانات عربية ودولية مستدامة. وهذا يتطلب من الخطاب اللبناني التحول من ثنائية المقاومة أو الاستسلام إلى مفهوم السيادة الفعلية. أي أن الدولة تحمي مجتمعها، وتمنع أن تتحول أراضيها إلى ساحة لصراعات الآخرين.

وينسجم هذا الاقتراح مع التحولات الإقليمية الأخيرة التي تشير إلى تغير عميق في بنية الصراع مع إسرائيل، من الاتفاقيات السابقة إلى تراجع المنظمات خارج الدولة عسكرياً وسياسياً وشعبياً بعد تكلفة حربي غزة ولبنان، وما رافقها من قناعة متزايدة بحدود النهج العسكري، وصولاً إلى الإعلان العربي الإسلامي في نيويورك وشرم الشيخ بالالتزام بمسار السلام. ويعزز هذا التحول المسار السوري بعد سقوط نظام الأسد، وتوجه دمشق إلى التركيز على الاستقرار وإعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي بدلاً من الاستثمار الأيديولوجي في الصراع. كما أن التداعيات الكبرى للحرب على إيران، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى وما نتج عنه من هزة في نظام ولاية الفقيه، أدت إلى تعديل التوازنات الإقليمية، مما يؤثر بشكل مباشر على لبنان، ويضعه في مواجهة بيئة استراتيجية مختلفة جذرياً عن تلك التي حكمت العقود الماضية. ويتعين على لبنان أن يعمل بجدية مع أميركا والدول العربية الصديقة للضغط على إسرائيل لحملها على الالتقاء بلبنان في منتصف الطريق، على خلفية السؤال الحاسم: هل تريد إسرائيل حقاً السلام الإقليمي المستدام، أم أنها تفضل إدارة الصراع بدلاً من إنهائه؟

في النهاية، الأمر لا يتعلق باتفاق فني، بل يتعلق باختيار لبنان أن يكون بلداً يسعى إلى الاستقرار والتنمية والمشاركة في النظام الإقليمي الجديد، وربما يصبح جسراً للتفاوض ومنصة حوار بين الأطراف المتصارعة. اللحظات التاريخية لا تتكرر كثيراً، وما يحدث اليوم قد يكون فرصة نادرة.

المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها

#بين #وهم #الإيمان #والاستهتار #اليائس #صوت #لبنان #صوت #لبنان

بين وهم الإيمان والاستهتار اليائس – صوت لبنان – صوت لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – بين وهم الإيمان والاستهتار اليائس – صوت لبنان – صوت لبنان

المصدر : www.vdl.me

.