دستور نيوز
غزو القرنفل
بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، لم تعد الأسئلة الكبرى في المشهد السوري تتعلق فقط بكيفية التخلص من إرث الاستبداد السابق، بل أصبحت تركز بشكل متزايد على طبيعة السلطة التي نشأت بعده، والمسار الذي اختارته، والآفاق التي تفتحها أو تغلقها أمام السوريين.
وبدلا من أن تكون المرحلة الانتقالية جسرا نحو دولة القانون والمؤسسات، تحولت تدريجيا إلى سلطة تعمل على تجذير نفسها في مختلف جوانب الدولة الأمنية والسياسية والإدارية بما يرسخ خلودها، مستخدمة منطق السيطرة والإقصاء بدلا من منطق الشراكة والتعددية.
ورافقت عملية ترسيخ السلطة الانتقالية إغلاق شبه كامل للفضاء العام، حيث منع العمل السياسي المنظم، كما أصبح إمكانية تشكيل أحزاب أو حركات سياسية معارضة لرؤى السلطة وتوجهاتها محظورا عمليا. ولا يمكن فهم هذا الإغلاق إلا على أنه مؤشر خطير على إعادة إنتاج نموذج حكم يخشى السياسة والمجتمع، ويعتبر أي اختلاف تهديدا يجب تحييده وليس ظاهرة صحية يجب تنظيمها.
والمفارقة الكبرى هنا أنها سلطة جاءت من أنقاض نظام استبدادي، لكنها سرعان ما استعارت أدواتها وأساليبها في إدارة المجال العام. والأخطر من ذلك أن السياسات والقرارات التي اتخذتها هذه السلطة خلال العام الماضي عمقت الانقسام المجتمعي بدلاً من العمل على رأب الصدع الذي خلفته سنوات الحرب. وتم التعامل مع المجتمع السوري ككتل متحاربة، وليس كمواطنين متساوين، وتم اتخاذ سلسلة من الإجراءات الكارثية التي أثرت على وحدة المجتمع السوري وجغرافيته. فقد أسست لواقع سياسي وإداري على أساس المحاصصة الضمنية، أو على تكريس صلاحيات فعلية متعددة بدلاً من السعي الجاد لبناء عقد وطني شامل.
وإذا كان الفساد من أبرز سمات النظام السابق، فإن ما يحدث اليوم لا يقل خطورة، إذ نشهد بوضوح إعادة إنتاج أنظمة فساد جديدة تتغذى على غياب الشفافية وغياب الرقابة واحتكار اتخاذ القرار. ورغم أن الأسماء تغيرت، إلا أن الآليات بقيت على حالها: شبكات نفوذ وامتيازات غير مستحقة، وتداخل بين السلطة والمال، وكل ذلك يجري في ظل غياب أي معارضة منظمة قادرة على المساءلة أو حتى تقديم رواية بديلة مقنعة.
وفي هذا السياق، لم يعد الحديث عن ضرورة ظهور معارضة منظمة ترفاً سياسياً أو خياراً مؤجلاً، بل أصبح واجباً وطنياً ملحاً. إن المجتمع السوري، الذي أنهكته عقود من الاستبداد وسنوات الحرب، لا يملك اليوم ترف الدخول في تجارب فاشلة جديدة أو تكرار الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها المعارضة السابقة عندما أصبحت مرتهنة للعالم الخارجي، أو انزلقت إلى العسكرة، أو تحولت إلى كيانات مغلقة تعكس مصالح ضيقة وليس هموماً وطنية عامة.
المطلوب اليوم هو معارضة مختلفة جذرياً في بنيتها وخطابها وسلوكها، معارضة تنبع من وعي عميق بالتحولات التي طرأت على المجتمع السوري، ومن قراءة نقدية صريحة لتجربة المعارضة السابقة دون مبرر أو استكبار. الشرط الأول لنجاح هذه المعارضة هو أن تكون مستقلة تماماً عن كافة الهياكل الموجودة حالياً في المشهد السوري، سواء تلك المرتبطة بالسلطة الانتقالية، أو قوات سوريا الديمقراطية، أو المرجعيات الدينية المحلية، أو رموز النظام السابق، لأن وجود أي شخص ينتمي فكرياً أو تنظيمياً إلى هذه الهياكل سيقوض مصداقيتها منذ البداية. إن أي مشروع معارضة جديد يعيد إنتاج انعدام الثقة الذي شهده السوريون منذ فترة طويلة، بالإضافة إلى الاستقلال، يجب أن يكون خطاب المعارضة واقعياً للغاية، لأن الخطاب الثوري الفضفاض أو الوعود الكبرى غير القابلة للتنفيذ لم تعد تقنع أحداً.
المطلوب خطاب سياسي هادئ وعقلاني وصريح، يعترف بتوازنات القوى، ويطرح أهدافاً مرحلية يمكن تحقيقها، دون المساس بالمبادئ الأساسية. كما يجب أن يكون هذا الخطاب سلمياً بشكل واضح لا لبس فيه، يرفض السلاح والعنف كوسيلة للتغيير، ويدرك أن عسكرة السياسة كانت من أهم أسباب تدمير سوريا وتمزيق مجتمعها. أما على مستوى الرؤية، فمن المفترض أن يرتكز مشروع المعارضة المنشود على مبدأي المواطنة وسيادة القانون باعتبارهما حجر الزاوية في بناء أي دولة حديثة، مواطنة لا تفرق بين… السوريين على أساس الدين أو الجنسية أو المنطقة الجغرافية، وقانون يتجاوز كل حاكم ومحكوم ويضع حداً لمنطق الامتيازات والاستثناءات.
وفي هذا السياق، تبدو اللامركزية الإدارية الموسعة خيارا عقلانيا ومتوازنا، ليس كخطوة نحو التقسيم، بل كآلية لإدارة التنوع وضمان المشاركة الحقيقية للمجتمعات المحلية في إدارة شؤونها ضمن الدولة الواحدة الموحدة.
إن ظهور معارضة منظمة ووطنية وسلمية ومستقلة ليس بالمهمة السهلة في ظل الأوضاع المعقدة الحالية على مختلف المستويات، لكنه السبيل الوحيد المتبقي لمنع سوريا من الانزلاق إلى استبداد جديد بمظهر مختلف. غياب المعارضة لا يعني الاستقرار، بل يعني احتكار السلطة في اتخاذ القرارات وتراكم الأخطاء وانفجارها لاحقاً، وغالباً بأسعار أعلى.
ومن هنا فإن المبادرة لبناء هذه المعارضة ليست مجرد حق سياسي ودستوري يجب ممارسته، بل هي واجب ومسؤولية وطنية تجاه سوريا وجميع السوريين، وتجاه مستقبل بلد لم يعد يحتمل المزيد من الانقسامات وخيبات الأمل.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#لقد #حان #الوقت #لظهور #معارضة #منظمة #للسلطة
لقد حان الوقت لظهور معارضة منظمة للسلطة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – لقد حان الوقت لظهور معارضة منظمة للسلطة
المصدر : www.enabbaladi.net
