دستور نيوز
بقلم موفق حرب
“أساس ميديا”
لم تعد الحروب الحديثة تقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الجيوش، بل بقدرة الدول على تسخير التكنولوجيا والبيانات في إدارة المعركة. وفي المواجهة الحالية مع إيران، تبدو الصورة وكأنها صراع بين سلطانين مختلفين: إيديولوجية سياسية دينية ترى في الحرب صراعاً طويل الأمد، في مقابل تكنولوجيا متقدمة تسعى إلى حل سريع ودقيق.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية، بنت طهران استراتيجيتها الإقليمية على عقيدة سياسية وأمنية ودينية تقوم على تصدير النفوذ عبر شبكة من الحلفاء والفاعلين، واستغلال المذهب الشيعي للتجنيد، وعلى مبدأ الصبر الاستراتيجي وحروب الاستنزاف. لكن المواجهة العسكرية الأخيرة كشفت أن معارضي إيران، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وإسرائيل، يراهنون على معادلة مختلفة تماما: التفوق التكنولوجي واستخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع العمليات العسكرية وتحديد الأهداف بدقة غير مسبوقة.
وبهذا المعنى، فإن المواجهة الحالية لا تجري فقط في سماء الشرق الأوسط أو مياهه، بل أيضاً داخل غرف العمليات الرقمية، حيث تُدار المعركة بـ«الخوارزميات» بقدر ما تُدار بالطائرات والصواريخ.
حرب تشنها الخوارزميات
ومن أبرز مظاهر هذا التحول استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الاستخباراتية الصادرة عن الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار وطرق التنصت الإلكترونية. وفي قلب هذا النظام يقف مشروع Maven، الذي طورته وزارة الدفاع الأمريكية بهدف تسريع تحليل الصور والبيانات العسكرية باستخدام تقنيات التعلم الآلي. بدأ البرنامج في الأصل كمشروع لتحليل صور الطائرات بدون طيار، لكنه تطور تدريجياً إلى منصة متكاملة قادرة على دمج البيانات من مصادر متعددة وتوفير صورة تشغيلية في الوقت الفعلي تقريبًا لساحة المعركة.
الذكاء الاصطناعي التوليدي يدخل ساحة المعركة
التطور الأكثر لفتًا للانتباه في الحرب الحالية هو إدخال نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في هذا النظام. وأشارت تقارير صحفية، بما في ذلك تقارير صحيفة واشنطن بوست، إلى استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي كلود ضمن نظام التحليل العسكري المرتبط بـ Maven.
ويساعد هذا النظام المحللين العسكريين على معالجة كميات هائلة من المعلومات بسرعة كبيرة، ويربط البيانات المختلفة لاستخراج الأنماط والتحليلات التشغيلية التي تساعد القادة العسكريين على اتخاذ القرارات.
وهكذا أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً مما يطلق عليه الجيش “سلسلة القتل”، أي المراحل التي تبدأ باكتشاف الهدف، من خلال تحليل البيانات وتقييم التهديد، وصولاً إلى تنفيذ الضربة. وفي حين كان تحليل المعلومات الاستخباراتية في الماضي يستغرق ساعات طويلة أو أياماً من العمل البشري، فإن “الخوارزميات” اليوم يمكنها القيام بجزء كبير من هذه العملية في غضون دقائق.
الميزة الرئيسية لهذه الأنظمة هي التسارع غير المسبوق في وتيرة العمليات العسكرية. إن القوة التي يمكنها تحليل البيانات بسرعة أكبر تكون قادرة على تحديد الأهداف وضربها قبل أن يتمكن الخصم من إعادة تنظيم دفاعاته.
وفي العمليات الأخيرة، ساعدت هذه الأنظمة في تحديد أولويات عدد كبير من الأهداف خلال فترة زمنية قصيرة، مما سمح بتنفيذ ضربات متتالية بدقة عالية. ويعني هذا التحول أن التفوق العسكري لم يعد مرتبطا بامتلاك الأسلحة فحسب، بل أصبح يرتبط بامتلاك القدرة على معالجة المعلومات واتخاذ القرارات بسرعة الخوارزميات.
أيديولوجية طويلة الأمد
والمفارقة في هذه المواجهة هي أن إيران لا تخوض الحرب وفق المنطق التكنولوجي نفسه. لقد ارتكزت استراتيجية طهران منذ سنوات على مبدأ مختلف: حرب طويلة الأمد تقوم على الاستنزاف وعلى جبهات متعددة. وبدلاً من السعي إلى التفوق العسكري التقليدي، ركزت إيران على بناء شبكة إقليمية من الحلفاء واستخدام أدوات غير متماثلة مثل الطائرات بدون طيار منخفضة التكلفة، والصواريخ الباليستية، والحرب غير المباشرة.
وبهذا المعنى فإن إيران تراهن على الوقت السياسي أكثر من تراهنها على التفوق التكنولوجي. وهي ترى في الصراع مواجهة طويلة يمكن من خلالها إنهاك الخصوم سياسيا واقتصاديا. وهنا بالتحديد يظهر التناقض الأساسي في هذه الحرب: إيديولوجية تراهن على الصبر والإرهاق في مواجهة التكنولوجيا التي تسعى إلى حل سريع.
لكن إدخال الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية لا يغير طبيعة هذه الحرب فحسب، بل يفتح الباب أيضا أمام سباق تسلح عالمي جديد. وقد تصبح القدرة على تطوير الخوارزميات العسكرية وتحليل البيانات في المستقبل عاملاً حاسماً في توازن القوى بين الدول، وربما أكثر تأثيراً من عدد الطائرات أو الصواريخ.
ولهذا السبب، تستثمر القوى الكبرى اليوم، من الولايات المتحدة إلى الصين وروسيا وإسرائيل، مليارات الدولارات في تطوير أنظمة عسكرية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
ماذا يعني هذا بالنسبة للشرق الأوسط
وربما يكون الشرق الأوسط من أولى الساحات التي اختبرت هذا التحول. واعتمدت الحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، إلى حد كبير، على الصواريخ والميليشيات والحروب غير التقليدية. لكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى ساحة المعركة غيّر قواعد اللعبة. قد تكتسب البلدان التي لديها القدرة على تطوير أنظمة تكنولوجية متقدمة ميزة كبيرة على الخصوم الذين يعتمدون على الأدوات العسكرية التقليدية أو غير المتماثلة.
وفي هذا السياق، قد تجد إيران نفسها أمام تحدي استراتيجي جديد: كيف يمكنها مواجهة خصم يتمتع بتفوق تكنولوجي متزايد في حين أن استراتيجيتها لا تزال تعتمد في المقام الأول على أدوات الحرب غير المتكافئة؟
ومهما كانت نتائج المواجهة الحالية، يبدو أن درسها الأبرز يمتد إلى ما هو أبعد من حدود إيران أو الشرق الأوسط. وتكشف الحرب عن انتقال العالم إلى مرحلة جديدة من الصراعات، حيث تلعب البيانات و”الخوارزميات” دورا لا يقل أهمية عن الطائرات والصواريخ. وفي هذا العالم الجديد، قد لا يكون السؤال الرئيسي هو من يملك أقوى سلاح، بل من يملك أذكى “خوارزمية”.
وهكذا تكشف الحرب الحالية مع إيران عن معادلة قد تحدد طبيعة الصراعات في السنوات المقبلة: إيديولوجية الصمود.. وتقنية الحل السريع.
بالتوفيق حرب
#التكنولوجيا #تنتصر #على #الأيديولوجية
التكنولوجيا تنتصر على الأيديولوجية.
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – التكنولوجيا تنتصر على الأيديولوجية.
المصدر : www.elsharkonline.com
