دستور نيوز
وفي كل حرب حديثة تقريباً، يعود نفس السؤال: هل يكفي القصف الجوي لإخضاع الخصم سياسياً؟ فهل تستطيع الطائرات وحدها إنهاء حرب أو إسقاط نظام أو كسر مجتمع حتى يثور على حكامه؟ تتكرر مشاهد المدن المدمرة والليالي المضاءة بنيران الانفجارات وكأنها لغة سياسية بديلة، رسالة بالنار تريد اختصار مسافات السياسة، وتقصير تعقيد المجتمعات، وتقصير تكلفة الحرب البرية.
لكن التاريخ، ومعه الأدبيات المتعلقة بالحرب الجوية، يقدم إجابة أقل دراماتيكية بكثير. فالقصف قد يدمر، وقد يسبب ألما، وقد يغير التوازن العسكري، لكنه نادرا ما يترجم وحده إلى حل سياسي. بل إنها تنتج في كثير من الأحيان تأثيرات معاكسة لما يريده القائمون عليها، خاصة عندما يراهنون عليها لتفكيك المجتمع أو دفعه إلى التمرد على سلطتها تحت ضغط الخوف.
أسطورة العزم من السماء
في عشرينيات القرن الماضي، صاغ الجنرال الإيطالي جوليو دوهي أسطورة الحرب التي يتم كسبها من الجو. والفكرة بسيطة: ضرب المدن، وترويع السكان، وسوف يحدث انهيار أخلاقي سريع. وتحت ضغط الخوف والخسائر، سيجبر المواطنون حكوماتهم على الاستسلام أو سيسقطونها من الداخل. ومنذ ذلك الحين، لم تمت هذه الفكرة، على الرغم من تعثرها في كل اختبار رئيسي تقريبا. ومع ذلك، يتم استعادتها، لأن التكنولوجيا تغوي الساسة. صور الأقمار الصناعية والذخائر الخارقة والدقة تجعل القصف الجوي يبدو حلا نظيفا لا يتطلب احتلالا أو جنازات جماعية لجنود المهاجم.
لأن القصف ليس برنامجاً سياسياً، وهو وحده لا يستطيع خلق جماهير مذعنة. وهنا تأتي مساهمة الباحث الأمريكي روبرت بيب الذي وضع إطارا أصبح اليوم من أشمل الأطر التفسيرية لجدل الإكراه الجوي. يميز بابي بين ثلاث طرق:
– العقوبة: قصف المدنيين أو بيئاتهم لخلق ضغط داخلي على السلطة.
– التصعيد التدريجي: زيادة وتيرة الضربات على مراحل لإثارة الرعب مما هو قادم.
– الحرمان والمنع: ضرب القدرات العسكرية واللوجستية لمنع الخصم من تحقيق أهدافه.
غزة… عندما يتحول العقاب إلى وقود سياسي
وطبقت إسرائيل ذلك في غزة، حيث تقاطعت الاستراتيجية العسكرية مع هدف معلن وهو تفكيك بنية حركة حماس وإضعاف قدرتها، لكن الواقع على الأرض يشير أيضا إلى استراتيجية الردع من خلال الإرهاب والقصف المكثف والتهجير والدمار الحضري والاجتماعي، ورسالة تقول إن ثمن البيئة الحاضنة سيكون شاملا. وهذا هو الأقرب إلى العقاب بالمعنى الذي يحذر منه بابي. محاولة خلق ضغط داخلي من خلال الألم.
المفارقة أن هذا النمط قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، بدلا من خلق شرخ بين المجتمع والفاعل المسلح، ما قد يعمق الاعتماد عليه، أو يرفع مستوى التعاطف معه، أو يوسع دائرة من يرون الصراع وجوديا وليس سياسيا.
والأخطر من ذلك أن منطق العقاب لا يضعف خصماً بعينه بقدر ما يعيد تشكيل المجتمع بأكمله. فقدان البيت والمدرسة والمستشفى وذاكرة المكان يخلق رأيا عاما يعيش في صدمة طويلة. قد ينجح القصف في تدمير جغرافيا ما، لكنه في الوقت نفسه يخلق وقتًا سياسيًا أطول للصراع، وتراكمًا للانتقام، وتربى أجيال على أن الحرب ليست حدثًا بل قدرًا.
إيران: ضربة للقدرات أم حلم تغيير النظام؟
وفي الحالة الإيرانية، يمتزج المنع بالحلم السياسي. ويمكن فهم ضرب المنشآت النووية والعسكرية ضمن منطق الإنكار، وتعطيل البرنامج، وإبطاء القدرات، وتدمير البنية التحتية الاستراتيجية. وهذا هدف يمكن قياسه عسكرياً على المدى القصير. لكن ما يتم التلميح إليه عادة في الخطاب السياسي المصاحب، خاصة عندما يتم ذكر فرصة تغيير النظام، يقفز إلى منطق آخر، وهو الافتراض بأن الضغط الخارجي سيحول الاضطرابات الداخلية إلى انفجار.
إن الأنظمة الاستبدادية لا تسقط فقط بسبب معاناة الناس. إنهم يسقطون عندما تنقسم نخبهم، أو تنهار أدوات القمع، أو تظهر البدائل التنظيمية قادرة على التقاط لحظة الغضب. أما القصف الجوي فهو في كثير من الأحيان يعطي السلطة ذريعة للتعبئة الوطنية، ويعيد ترتيب الصف حول شعار الدفاع عن الدولة، حتى بين الفئات غير الراضية عنه، أو يرفع كلفة الاعتراض الداخلي تحت عنوان الطابور الخامس. أي أن الضربة قد تضعف القدرات العسكرية، لكنها قد تعزز مناعة النظام السياسية على المدى القصير، من خلال تحويل الصراع إلى معركة سيادة، وليس معركة حكم.
لماذا يستمر هذا الرهان إذن؟
لأن القصف يقدم للسياسي وعداً مغرياً. النتائج دون الاحتلال. الضغط دون خسائر أرضية كبيرة، ويمكن عرض صورة قوية على الشاشات.
ومن الدوحة إلى بابي، من الواضح أن القصف الجوي ليس عديم الفائدة، بل إن فائدته مشروطة. ينجح عندما يمنع قدرات الخصم ضمن مسار سياسي وعسكري متكامل، ويفشل عندما يقدم بديلاً للسياسة أو الأرض. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي في إيران الآن، كما كان في غزة، ليس كم عدد الضربات التي ستشن؟ بل ما هو المخرج الذي سيحول الضغط الجوي العسكري إلى تسوية سياسية قابلة للحياة؟
ومن دون مسار لوقف هذا التراجع، ستستمر القنابل في أداء وظيفتها الوحيدة المضمونة، وهي إنتاج المزيد من الركام، وأسباب إضافية لإطالة أمد الحرب بدلاً من إنهائها.
#القصف #الجوي #لا #يسقط #الأنظمة #صوت #لبنان #صوت #لبنان
القصف الجوي لا يسقط الأنظمة – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – القصف الجوي لا يسقط الأنظمة – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
