دستور نيوز
بقلم ديفيد عيسى
يقف لبنان مرة أخرى على حافة عاصفة إقليمية كبرى، يراقب بقلق تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فيما تتكثف الرسائل الدبلوماسية التي تحمل معها مزيجاً من الطمأنينة والتحذير.
وبين الوعود بتحييده عن ميدان النار ومخاوف من انزلاقه قسرياً إلى قلب الصراع، يعيش اللبنانيون إيقاعاً ثقيلاً من الانتظار، حيث يصبح كل تطور ميداني في المنطقة حدثاً داخلياً بامتياز.
وفي ظل هشاشة وضعه السياسي والاقتصادي، يدرك الجميع أن أي خطأ في التقدير قد يحول البلاد من متفرج قلق إلى ساحة مواجهة مفتوحة، في لحظة إقليمية تبدو فيها طبول الحرب أعلى من أصوات العقل.
عاش لبنان يومين صعبين تحت وطأة الترقب والحذر، في ظل الأحداث المتسارعة والإشارات المتضاربة الواردة من الخارج.
إن تسرب الأخبار عن تلقي الرئيس جوزف عون رسالة من السفير الأميركي ميشال عيسى، والتي تضمنت تأكيدات بأن لبنان لن يتم استهدافه إذا بقي على الحياد، وفّر متنفساً نفسياً لبلد يعيش أصلاً على حافة الانهيار.
لكن هذه الطمأنينة ظلت هشة، لأن طبيعة الصراع الدائر لا تسمح بضمانات أكيدة، ولأن لبنان بحكم موقعه الجغرافي وتشابك قواه الداخلية يبقى عرضة لأي تداعيات غير محسوبة.
الرسالة الأميركية، رغم أهميتها السياسية، بدت أشبه بتحذير مبطن لضرورة السيطرة على الساحة اللبنانية ومنع تورطها في الحرب، الأمر الذي دفع الدولة إلى تكثيف اتصالاتها مع قيادة حزب الله ليعرضها لخطر الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون نتائجها كارثية على بلد منهك اقتصاديا ومؤسساتيا.
وفي ظل غياب أي أفق واضح لمسار الحرب أو مدتها، دخل اللبنانيون في فترة انتظار يومي مشوبة بالقلق، فكل تطور على الأرض في الخليج أو المشرق له تأثير مباشر على الداخل اللبناني، سياسياً وأمنياً وحتى نفسياً.
نعى الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد علي خامنئي، وأكد استمرار نهج “المقاومة والجهاد” لزيادة منسوب التوتر، كما أعاد طرح السؤال المركزي حول مدى استعداد الحزب لدخول المعركة إذا طلبت طهران ذلك.
إن قراراً كهذا لا يعني مجرد عملية عسكرية محدودة، بل يعني احتمال جر لبنان إلى حرب واسعة مع إسرائيل، وهي حرب يدرك الجميع أنها ستكون أكثر تدميراً من سابقاتها في ظل التغيرات العسكرية والتكنولوجية التي تشهدها المنطقة.
في المقابل، تحركت الرئاسة اللبنانية منذ اللحظة الأولى للعملية العسكرية المشتركة ضد إيران على خط الاتصالات الدبلوماسية والأمنية، في محاولة لتحييد البلاد والحيلولة دون تحولها إلى ساحة دعم. ورفع الجيش اللبناني جهوزيته في الجنوب وعلى كامل الأراضي اللبنانية، ليس فقط لمواجهة أي خرق أمني محتمل، بل أيضا لمنع استخدام الأراضي اللبنانية منصة لإطلاق الصواريخ، وهو ما قد يشعل مواجهة تعجز الدولة عن احتوائها.
وترافق ذلك مع حالة استنفار شاملة طالت قطاعات الصحة والغذاء والخدمات والمرافق العامة، في مشهد يعكس وعياً رسمياً بأن الحروب الحديثة لا تقتصر على الجبهات العسكرية، بل تضرب بنية المجتمعات بأكملها.
وسط هذه الأجواء، برز التعاون بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب كعامل تهدئة داخلي، في محاولة لتوحيد الموقف الرسمي وتجنيب البلاد الانقسام الحاد الذي غالباً ما يسبق الانفجار الأمني.
لكن نجاح هذا المسعى يبقى مرتبطا بعوامل خارجية خارجة عن قدرة اللبنانيين على السيطرة عليها، لأن مصير لبنان أصبح يعتمد إلى حد كبير على مسار الصراع الإقليمي الأوسع.
وهكذا يجد نفسه مرة أخرى في موقف التأثر بدلاً من التأثر، منتظراً ما ستؤول إليه المواجهة الكبرى، على أمل أن تمر العاصفة من حوله دون أن تقتلع ما تبقى من استقراره الهش، لأن الخوف الأكبر يبقى من أن يتحول الترقب الطويل إلى قدر دائم، وأن يصبح الحياد الذي يسعى إليه مجرد هدنة مؤقتة قبل اختبار أشد.
ديفيد عيسى
#بين #رسائل #الطمأنينة #وطبول #الحرب #لبنان #ينتظر #المجهول
بين رسائل الطمأنينة وطبول الحرب، لبنان ينتظر المجهول
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – بين رسائل الطمأنينة وطبول الحرب، لبنان ينتظر المجهول
المصدر : www.elsharkonline.com
