دستور نيوز
في 24 فبراير 2026
بقلم ديفيد عيسى
ورغم أن كل الأنظار تتجه نحو ما يحدث في المنطقة، وفي ظل تصاعد غير مسبوق في وتيرة التحركات العسكرية الأميركية نحو الشرق الأوسط، ورغم أهمية كل ذلك، إلا أنني رأيت من واجبي أن أتحدث عن قضية تمس المواطن اللبناني في حياته اليومية وتؤثر على معيشته، خاصة في موسم الصيام الذي يتزامن مع المسيحيين والمسلمين.
مع كل موسم صيام، سواء للمسيحيين أو المسلمين، ترتفع الأسعار بشكل جنوني، مما يخلق واقعًا صادمًا يصل إلى حد القسوة.
وبدلاً من أن تكون هذه المواسم مساحة للتكافل والتضامن والتراحم، تتحول إلى موسم مفتوح لاستغلال المتعبين والمرهقين والمكسورين والمحبطين، وابتزاز احتياجاتهم الأساسية.
الأسعار ترتفع دون رادع، ويتم إخفاء البضائع لرفع أسعارها، وكأن جوع الفقراء أصبح استثماراً مربحاً لغالبية التجار.
وفي لبنان، لم يعد ارتفاع الأسعار يقتصر على السلع الكمالية الباهظة الثمن، بل وصل أيضاً إلى أبسط مقومات الحياة اليومية.
تخيل أن الخضار، التي كانت تاريخياً ملجأ الفقراء وطبقاً أساسياً على مائدة الصائمين، أصبحت فوق قدرته على الشراء خلال فترة الصيام.
فالطماطم والبطاطس والبصل واللوبيا والخضروات الورقية وغيرها من المواد التي كانت تعتبر أغذية بسيطة في متناول الفقراء تحولت إلى سلع شبه فاخرة للعديد من الأسر.
ومما يزيد الطين بلة أن معظم هذه الخضار تروى بمياه ملوثة بمياه الصرف الصحي والمجاري، مما يعرض المواطنين لمخاطر سم قاتل يؤدي إلى أمراض خطيرة تضعهم في المستشفيات.
ومن المفارقة الصادمة أن الفقير لا يستطيع شراء الخضار، وحتى الخضار المتوفرة قد تشكل خطرا على حياته وصحته.
مشهد الأب أو الأم في المتاجر، أو في السوبر ماركت، وهو يحسب سعر كيلو الخضار قبل شرائه، أصبح صورة يومية تلخص حجم المأساة الاجتماعية والصحية التي يعيشها الناس.
وأي سرعة هذه التي تنتهك فيها كرامة الأسر الفقيرة والمتوسطة؟
إن ما يحدث ليس مجرد جشع عابر، بل إنه سقوط أخلاقي مدوي، حيث يتم شحذ سكاكين ارتفاع الأسعار لتأكل ما تبقى من قدرة الناس على الصمود.
لكن المأساة لا تتوقف عند حدود التجار.
ويبدو أن الوزارات التي من المفترض أن تكون مسؤولة والحارس الأول لكرامة المواطن غائبة أو عاجزة أو غير مبالية.
وفي ظل هذا الغياب، يشعر بعض التجار أنهم فوق القانون، فيستمرون في الاحتكار والتلاعب بالأسعار دون خوف من المحاسبة أو العقاب.
وبذلك يبقى المواطن وحيداً في مواجهة سوق وحشية لا تعرف الرحمة.
صمت الوزارات المعنية لم يعد مجرد إهمال إداري، بل شكل من أشكال التخلي عن الناس في أصعب ظروفهم.
الدولة التي لا تحمي حياة مواطنيها تفقد معناها، والسلطة التي لا تردع الظلم تشهد عليها.
المطلوب اليوم ليس جولات فلكلورية مصورة أو تصريحات بناء، بل قرارات شجاعة تعيد للدولة هيبتها وتحمي الفقراء من التدنيس اليومي.
فالتاجر الذي يستغل مواسم العبادة ليزيد أرباحه على حساب الجائعين، لا يسيء إلى الناس فحسب، بل يسيء إلى روح الصوم أيضًا.
الصوم ليس طقساً شكلياً، بل هو اختبار للضمير، ومن رسب في اختبار الرحمة، فلن ينفعه الصوم ولا الصلاة.
كفى… إنها صرخة في وجه كل من فقد إحساسه وضميره بمعاناة الناس.
الأوطان لا تبنى بالطقوس وحدها، بل بالعدل، ولا تحفظ كرامة الإنسان إلا عندما يشعر أن هناك دولة تحميه ومجتمعا لا يتركه فريسة للجشع.
عندها فقط سيستعيد الصوم معناه الحقيقي كمدرسة للإنسانية، وليس كسوق للربح على حساب الألم.
ديفيد عيسى
#حسب #خطة #الحكومة…جوع #الناس #ليس #للاستغلال
حسب خطة الحكومة…جوع الناس ليس للاستغلال
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – حسب خطة الحكومة…جوع الناس ليس للاستغلال
المصدر : www.elsharkonline.com
