دستور نيوز
عارف عبدالله اليافعي
يأتي شهر رمضان كل عام ليذكرنا بأن الصيام ليس فقط إمساكاً عن الطعام، بل هو قبل كل شيء تعويد النفس على الصدق مع النفس، ومراجعة السلوك، وإعادة ترتيب الأولويات.
إنه شهر المساءلة وطرح الأسئلة والتعمق في جوهر المشكلة لإيجاد الحلول وليس الهروب منها.
وفي كثير من المجتمعات تصبح الأزمات فرصة لمراجعة الأخطاء، وتصحيح الخلل الذي حدث، والتأكد من عدم تكراره. أما لبنان، فغالباً ما تتحول الأزمات إلى وضع دائم ومستمر، وكأن الخلل قدر لا يمكن المساس به، أو واقع لا يمكن إعادة النظر فيه. لكن يبقى الأمل ممكنا، ليس لأن الواقع مطمئن، بل لأن الاستسلام أخطر من الفشل.
إن أخطر ما يصيب الدول والمؤسسات ليس الفساد وحده، بل تطبيع الفشل: فحين يصبح الرداءة مقبولا، يكون الحد الأدنى إنجازا، وغياب المساءلة «حكمة»، وتأجيل الإصلاح «واقعيا». ومن ثم لا تنهار المؤسسات دفعة واحدة، بل تبدو وكأنها تركب قطار الانهيار محطة تلو الأخرى، حتى لو استمرت في الوجود اسماً وشكلاً.
يذكرنا رمضان أن العمل العام – وكذلك العبادة – لا يقاس بالمظاهر، بل بالجوهر. المسؤولية ليست لقبًا أو منصبًا، بل هي أمانة. الإدارة ليست مجرد تسيير العمل اليومي وإعداد التقارير، بل هي نظام قيم: الشفافية، والمساءلة، والكفاءة، واحترام الناس، والحفاظ على المال العام، والحفاظ على ثقة أولئك الذين يعلقون آمالهم على هذه المؤسسات.
لقد أثبتت التجربة، في لبنان كما في أماكن أخرى، أن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي. ويجب ترجمتها إلى أنظمة واضحة، وآليات رقابية، وحكم رشيد، وفصل صحي بين الصداقة والإدارة، وبين النوايا الحسنة والقرار الصحيح. إن المؤسسات التي تدار بالعاطفة وحدها، أو العادات، أو المجاملة، أو المحسوبية، ترهق نفسها، حتى لو كانت تحمل أسمى الرسائل وأصدق النوايا.
الإصلاح لا يبدأ بالشعارات، بل بالاعتراف بالخلل. فهو لا يتقدم من خلال الخطابات، بل من خلال الحكم. لن ينجح الأمر إذا طُلب من شخص واحد، مهما كانت خبرته أو صدق نيته، أن يغير النظام بأكمله بمفرده. فالإصلاح طريق جماعي يتطلب الشجاعة في المواجهة، والتواضع في المراجعة، والاستعداد لتحمل تكاليف القرارات مهما كانت.
وفي شهر الصوم تبرز قيمة الانسجام بين القول والعمل. ولا معنى للوعظ إذا لم يرافقه الالتزام. ولا قيمة للحديث عن القيم إذا لم تنعكس في أسلوب اتخاذ القرار، واحترام الوقت، ومعايير التعيين، وحماية كرامة المستفيد قبل أي اعتبار آخر.
لبنان اليوم لا يعيش أزمة مالية أو سياسية فحسب، بل يعيش أيضاً أزمة إدارة ومعايير وحوكمة، وأزمة ثقة. إن أي تقدم حقيقي لن يبدأ من أعلى الهرم فقط، بل من كل مؤسسة، وكل مجلس إدارة، وكل مسؤول يقرر أن يسأل نفسه بصراحة: هل ما أقوم به اليوم يليق بالمهمة التي أقوم بها؟ هل أخدم الرسالة أم أدير الواقع فحسب؟
وهذا السؤال لا يعني الدولة وحدها، بل يؤثر في كل مؤسسة. وإذا كان رمضان شهر العبادة فهو شهر الإصلاح أيضاً، ويجب على أمناء المال العام أن يلجأوا إلى ضمائرهم قبل مناصبهم. نعم، على المكلفين والمسؤولين المضي قدماً بالنقد الذاتي، ورفض الخطأ، ومعالجة الخلل بشجاعة وشفافية، بدلاً من الاكتفاء بدفن المشاكل وتأجيل المواجهة أو إلغائها تماماً.
رمضان لا يطلب منا أن نكون مثاليين، بل أن نكون صادقين. وهو لا يدعونا إلى القسوة على أنفسنا، بل إلى الأمل الذي لا ينكر الواقع ولا يجمّله، بل يعمل على تغييره. وتعلم حركة أمل أن الإصلاح قد يكون بطيئاً ومتعباً، لكنه السبيل الوحيد إلى الطريق الصحيح.
فإذا كانت النية هي أساس الصيام فإن المسؤولية هي أساس العمل العام. وبينهم يبقى الأمل ممكنا… عندما نقرر أن نكون صادقين.
عارف عبدالله اليافعي
#حديث #رمضان #عندما #يصبح #الإصلاح #عبادة
حديث رمضان – عندما يصبح الإصلاح عبادة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – حديث رمضان – عندما يصبح الإصلاح عبادة
المصدر : www.elsharkonline.com
