دستور نيوز
انطوان العويط
الأربعاء 18 فبراير 2026 – 10:30
المصدر: صوت لبنان
فهل سيكون عام 2026 نقطة تحول كبرى في الشرق الأوسط نحو السلام، أم مجرد حلقة جديدة في عملية طويلة من إعادة تشكيل الخرائط وتغيير ميزان القوى؟
وفي محاضرة ألقاها قبل أسبوع السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى سوريا توم باراك، في معهد ميلكن في كاليفورنيا، عاد الحديث عن «شرق أوسط جديد» يُراد له أن يولد من رحم التحولات الجارية. وجدد انتقاداته لاتفاقية سايكس بيكو، واعتبر أن التدخلات الغربية منذ تلك اللحظة التأسيسية، وصولا إلى وعد بلفور، لم تترك المنطقة إلا بأزمات متراكمة وحدود قلقة وهويات معلقة.
والفرضية التي يطرحها باراك هي أن الخلل بنيوي، ناشئ عن رسم الحدود التي جمعت كيانات متباينة في التاريخ والثقافة والبنية الاجتماعية داخل الدول الناشئة، فكان الاستقرار هشاً والانتماء غامضاً. من هنا تنبثق الدعوة إلى «السماح للمنطقة بأن تكون نفسها»، أي أن تترك توازناتها الداخلية ومساراتها التاريخية تعيد تشكيل الحقل السياسي بعيداً عن القوالب التي فرضت قبل قرن من الزمان.
لكن هذه الفكرة، رغم جاذبيتها النظرية، تخفي وراء تألقها أسئلة شائكة، مثل كيفية إعادة التوازنات من داخل الهياكل نفسها، دون تفجيرها؟ بأي ثمن سياسي وبأي شكل وبأي ثمن؟ ومن يحق له أن يعيد النظر في خرائط المنطقة: المجتمعات نفسها وكيف، أم القوى الكبرى التي تتحدث باسمها؟
إضافة إلى ذلك، تبرز مفارقة أميركية وتناقض ظاهري بين خطاب «تقليص الأهمية» تجاه هذه المنطقة في استراتيجية واشنطن الجديدة، وبين الحقائق التي تشير إلى عودة مسلحة بحاملات الطائرات والبوارج، وتحالفات وخطط، ومجلس سلام عالمي قد يطيح بالأمم المتحدة ومجلس الأمن. فكيف يمكن التوفيق بين هذه العودة وما ورد في استراتيجية الأمن القومي الأميركي أواخر عام 2025، والتي اعتبرت أن الشرق الأوسط لم يعد يحتل الموقع المركزي السابق في السياسة الخارجية؟
ومن الواضح أنه في الوقت الذي طُرح فيه شعار تقليص الاشتباك، لا يبدو أن واشنطن على وشك الانسحاب، بل هي بصدد إعادة تعريف حضورها. وتقوم استراتيجية إدارة الرئيس ترامب على خفض التكاليف وتعظيم العائدات، مع تحويل مركز الثقل إلى آسيا، حيث ترتفع المنافسة مع الصين إلى قمة الأولويات.
لكن تراجع «المركزية» لا يعني غياب «الضرورة». ولم يعد الشرق الأوسط هو الهدف، بل أصبح وظيفة ضمن صراع أوسع حول شكل النظام الدولي ومن يقوده.
وبهذا المعنى، تبدو العودة الأميركية في سياق إعادة تموضع محسوبة، عبر حضور عسكري ينظم الإيقاع ويحفز الاتجاهات، وتحالفات تعيد توزيع الأعباء، وأطر سياسية قد تلتف على أدوار الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
إنه انتقال من الهيمنة الثقيلة إلى الإدارة الذكية، ومن التدخل المباشر إلى التحكم عن بعد.
إن جوهر هذا النهج لا يتعلق باحتلال الأرض، بل بإعادة هندسة التوازن. ويتطلب هذا الحد من نفوذ إيران، ودمج إسرائيل إقليمياً، وتطويق التوسع الاقتصادي الصيني في الخليج.
وفي هذا السياق، وإذا سلمنا جدلاً بأن واشنطن قد تنجح، في نهاية المطاف، في «إعادة إيران إلى إيران» من خلال السيطرة على برنامجها النووي والباليستي، وتقليم أظافر شبكاتها الإقليمية، والحد من قدرتها على توظيف الجغرافيا الطائفية والسياسية، فإن السؤال الأعمق يبقى: هل اختلال توازن القوى كاف لخلق استقرار راسخ في منطقة تتصادم فيها المشاريع وتتجاذبها الهويات المتضاربة؟
وهنا يتم تقديم القضية الفلسطينية باعتبارها العقدة المركزية. وهو ليس نزاعاً حدودياً فحسب، بل هو جرح سياسي وأخلاقي مفتوح في الوعي العربي والإسلامي، ومصدر دائم لشرعية الصراع. وفي غياب أفق عادل وقابل للحياة فإن أي “شرق أوسط جديد” سوف يظل مشروعاً سحيقاً. فكيف يمكن دمج إسرائيل إقليميا وتوسيع مسار التطبيع العربي الإسرائيلي دون تسوية مقنعة؟ وهل يمكن أن يتبلور هذا الأفق في ظل حكومات إسرائيلية ترى في الحل النهائي تهديداً أيديولوجياً، فيما يجري الحديث عن إحياء مشروع إسرائيل الكبرى وتقويض مقومات الدولة الفلسطينية الموعودة بحيث تصبح بلا أرض وشعب؟
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية، ويتعلق بالصين. وحتى لو تم كبح جماح إيران، فإن بكين تواصل توسعها الهادئ من خلال الاقتصاد والبنية التحتية. إن وجودها العسكري في جيبوتي، واستثماراتها في الموانئ والطاقة ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، يمنحها موطئ قدم استراتيجي على طرق التجارة العالمية.
وتدرك الولايات المتحدة أن معركتها الرئيسية في القرن الحادي والعشرين ليست في غزة، أو بيروت، أو طهران، بل في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ. ولذلك فإن إعادة ترتيب الشرق الأوسط تهدف أيضًا إلى تحرير الموارد لمواجهة بكين واحتواء صعودها.
ولكل هذا، قد لا يكون عام 2026 عام السلام، بل عام إعادة التموضع. وقد تهدأ بعض الجبهات، وقد يتم وضع ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة، لكن جذور الصراع ستبقى مخفية ما لم تحل أسئلته الكبرى. ومن دون تسوية شاملة وعادلة وقابلة للحياة، ستبقى خرائط النفوذ مؤقتة، وستكون التحالفات هشة وعرضة للاهتزاز عند أول اختبار.
الشرق الأوسط يدخل إذن مرحلة العمل الاستراتيجي. تعيد الولايات المتحدة تحديد دورها من الهيمنة إلى الإدارة؛ إسرائيل تسعى إلى إثبات تفوقها؛ فإيران، رغم تراجعها وضعفها الواضحين، لا تزال متمسكة بعمقها الحيوي. وتراقب الصين وتستثمر بصبر طويل. ومن بين هذه المشاريع المتقاطعة، يبدو أن العام 2026 هو محطة أخرى في قطار التحول، وليس نهايته.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#بين #إعادة #رسم #الشرق #الأوسط #وإدارة #صراعاته #صوت #لبنان #صوت #لبنان
2026 بين إعادة رسم الشرق الأوسط وإدارة صراعاته – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – 2026 بين إعادة رسم الشرق الأوسط وإدارة صراعاته – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
