دستور نيوز
في 17 فبراير 2026
بقلم الدكتور ابراهيم العرب
في ذكرى استثنائية تحمل رمزية عميقة ودلالات سياسية كبيرة، عاد الرئيس سعد الحريري إلى الساحة السياسية اللبنانية من البوابة الأوسع، حيث تجمع أكثر من مليون لبناني في ساحة الشهداء وسط بيروت، في الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، ليعلن بصوت واضح وحازم: “سنبقى معا في مدرسة رفيق الحريري ومعا في تيار المستقبل، وموعدنا قريب”.
ولم تكن المناسبة مجرد احتفال سياسي أو تجمع عام عابر، بل مثلت لحظة مفصلية في الحياة الوطنية اللبنانية. تحولت ساحة الشهداء إلى بحر أزرق مفعم بالحياة والأمل، في مشهد لم يشهده لبنان منذ سنوات. الحشود التي جاءت من كل المناطق اللبنانية، من طرابلس شمالاً إلى صيدا جنوباً، ومن البقاع إلى الجبال، جاءت لتؤكد أن مشروع الدولة لا يزال حياً في الوجدان الشعبي، وأن الغياب لم يكن انسحاباً، بل راحة محارب.
أنا شخصياً كنت حاضراً في هذه الذكرى، ليس فقط ككاتب أو مراقب سياسي، بل كمواطن مهتم بذاكرة الوطن ومستقبله. وقفت أمام قبر الشهيد الرئيس رفيق الحريري، وقرأت الفاتحة على روحه الطاهرة، كما قرأتها على روح الشهيد يحيى العرب رحمهما الله، مستذكرة معنى الاستشهاد في سبيل الدولة، ومعنى الالتزام الذي لا يفتر مع مرور الزمن. في تلك اللحظة شعرت بثقل التاريخ وثقل المسؤولية، فالمشهد لم يكن مجرد استحضار ذكرى، بل تجديد للعهد.
ومن قلب الساحة رأيت بنفسي مدى حب جمهور سعد الحريري وتعلقه به. ولم تكن الهتافات مجرد شعارات منظمة، بل كانت تعبيرا عفويا عن ارتباط عاطفي عميق. رجال ونساء، صغارا وكبارا، بعضهم كان حاضرا منذ ساعات الفجر، يحملون صوره ويرددون اسمه بشغف واضح. ولم يكن هذا الارتباط مبنياً على الانتماء الحزبي فقط، بل على تجربة شخصية عاشها الناس معه، عنوانها التواضع، وحسن الأخلاق، وحسن السلوك. وتحدث كثيرون عن اللقاءات المباشرة التي أجراها معهم، من مصافحة دافئة وكلمة طيبة واهتمام بتفاصيلهم الصغيرة. هذه الصفات الإنسانية هي التي خلقت القيادة قبل السياسة.
افتتح الحريري كلمته بتحية خاصة لطرابلس وأهلها، المدينة التي عانت كثيرا في السنوات الأخيرة، قائلا: “ما سقط في طرابلس لم يكن مبنيين فقط، بل انهارت في طرابلس كرامة كل المسؤولين في الدولة وخارجها”. وكانت هذه الكلمات بمثابة صرخة ضمير تعبر عن الألم العميق لأوضاع المدينة التي كانت ذات يوم العاصمة الاقتصادية للشمال. ولم تكن الإشارة تقنية أو بناءة، بل كانت سياسية بامتياز، واضعة المسؤولية في إطارها الوطني.
وفي رسالة واضحة إلى المنتظرين عودته، قال الحريري بلهجة حازمة وواثقة: “موعدنا قريب، ربما أبعد قليلا من أمنياتكم، لكنه بالتأكيد أقرب بكثير من أوهامهم، موعدنا معكم، العهد والميثاق سيكتمل”. هذه العبارة التي رددها الجمهور بحماس منقطع النظير، تحمل وعداً بعودة مدروسة. وهي ليست عودة عاطفية أو رد فعل ظرفي، بل هي خطوة محسوبة ضمن رؤية استراتيجية لإعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة مشروع الدولة.
وتطرق الحريري إلى أسباب ابتعاده عن العمل السياسي المباشر، موضحا أن القرار لم يكن هروباً أو استسلاماً، بل موقف مبدئي رافض للتنازل عن مشروع الدولة. وقال: “عندما كان المطلوب أن نغطي الفشل والمساومة على الدولة قلنا لا وقررنا الابتعاد، لأن السياسة على حساب كرامة الوطن ومشروع الدولة ليس لها معنى ولا مكان لها في مدرستنا”. وبهذا المعنى، قدم مبرراً سياسياً وأخلاقياً للغياب، معتبراً أن المشاركة في إدارة الانهيار ليست شراكة في الحل، بل تواطؤاً في الخطأ.
وفي إشارة إلى من حاول استغلال غيابه، قال: «ابتعدنا ولكننا حاضرون ونعيش مع همومكم، ونرى من يظن أنه سيلغيكم، والذين للأسف حولوا أنفسهم إلى خناجر ليطعنوني ليل نهار». وهنا بدا واضحاً أن المعركة لم تكن مع المعارضين السياسيين فقط، بل مع بيئة حاولت إعادة رسم التوازنات في غيابه.
وفي لحظة عاطفية مؤثرة، خاطب جمهوره قائلا: “هناك أشخاص يحبون السلطة فقط، وهناك أشخاص يحبون الناس قبل السلطة، وماذا أريد أن أفعل؟ أحبكم كثيرا، لأنني أتيت من مدرسة الناس أولا”. لقد لخصت هذه العبارة فلسفة سياسية تقوم على الإنسان قبل المنصب، والخدمة قبل المنصب. وهي فلسفة تعود جذورها إلى تجربة والده الذي ارتبط اسمه بإعمار بيروت وترسيخ مفهوم الدولة المدنية بعد الحرب.
وأكد الحريري: “نحن لا نغير جلدنا ولا ننكر المعروف مهما كانت الظروف قاسية أو ظلم أقربائنا، لأننا لا نبيع مناصب ولا نشتري مناصب”. ويحمل هذا الاستقرار في زمن التحولات السريعة رسالة اطمئنان للقاعدة الشعبية بأن الهوية السياسية لم تتغير، وأن المدرسة نفسها مستمرة.
وعلى الصعيد العربي، أكد أن الحريري كان وسيبقى داعماً لكل التقارب العربي ويصد كل خلاف، مشيراً إلى أن لبنان لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن محيطه الطبيعي، وأن استقراره مرتبط بتوازن علاقاته العربية.
أما الانتخابات المقبلة فقال بثقة: «أخبرني متى ستجرى الانتخابات حتى أقول لك ماذا سيفعل المستقبل». عبارة تلتقط رهانه في الشارع وعلى الشرعية الشعبية كمدخل لأي عودة مؤسسية.
وفي ختام حديثه، استذكر ذكرى والده الشهيد، مؤكدا أن رفيق الحريري لم يكن رجل مرحلة عابرة، بل رجل دولة نموذجي كان يؤمن حتى وفاته بأن لا أحد أعظم من وطنه. وختم برسالة أمل بأن الضوء واضح في نهاية النفق.
ومن ساحة الشهداء، بدا واضحاً أن العودة ليست مجرد خطاب، بل هي إعادة تواصل بين القائد وجمهوره، ومشروع سياسي وذاكرة وطن. كانت لحظة لخصت معنى الاستمرارية: العهد باق، والمدرسة موجودة، والمستقبل – بكل ما يحمله الاسم من دلالات – لم يطوي صفحته بعد.
لكن المشهد لم ينته عند الساحة. وكانت الكلمة الأخيرة في بيت الوسط، عندما استقبل الرئيس سعد الحريري المشاركين بهذه المناسبة، وشكرهم فردياً على وفائهم وإصرارهم على الحضور، مرحباً بالجميع في بيتهم السياسي والوطني. وهناك، بعيداً عن المسرح والهتافات، بدا الامتنان صادقاً والعاطفة قوية.
وشدد في كلمته الختامية على أن الحريرية ليست ظرفاً سياسياً عابراً، ولا حالة مرتبطة باستحقاق انتخابي، بل هي نهج دولة ومشروع وطن. وقال بوضوح إن الحريرية ستبقى ما دام لبنان قائما، لأنها قامت على فكرة الدولة والمؤسسات والعيش المشترك والاعتدال.
وبهذا الاختتام اكتمل المشهد: من ساحة الشهداء، حيث تجددت البيعة أمام الجماهير، إلى دار الوسط، حيث تجددت البيعة المعنوية بين القيادة وقاعدتها. العودة كانت سياسية نعم، لكنها كانت أيضاً عودة عاطفية ومعنوية، تؤكد أن المشروع لم ينته، وأن صفحة جديدة تكتب بعنوان واحد: الاستمرار في مدرسة الدولة، حتى يقوم لبنان الذي نريده جميعاً.
د. ابراهيم العرب
#الحريري #يعلن #من #ساحة #الشهداء #العودة #السياسية #واستكمال #العهد
الحريري يعلن من ساحة الشهداء: العودة السياسية واستكمال العهد
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – الحريري يعلن من ساحة الشهداء: العودة السياسية واستكمال العهد
المصدر : www.elsharkonline.com
