دستور نيوز
في 16 فبراير 2026
بقلم ديفيد عيسى
في الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، لم تكن كلمة نجله الرئيس سعد الحريري مجرد خطاب سياسي عابر يلقيه في مناسبة سنوية. بل بدا أقرب إلى الصراحة العاطفية والوطنية الشاملة مع الشعب اللبناني، ومحاولة صادقة لإحياء الأمل في وطن يرزح تحت وطأة الأزمات المتراكمة.
الكلمة جاءت في لحظة اختلط فيها الحنين بالخوف والوفاء والقلق على القدر، وكأنها تسعى إلى إعادة ربط ما انقطع بين اللبنانيين وفكرة الدولة التي حلم بها الشهيد.
«من منبر ساحة الشهداء، ذلك المكان الذي يلخص ذاكرة وطن وجرحه المفتوح منذ عقود، استعاد سعد الحريري لغة الاعتدال التي طبعت طريقه منذ تسلم الشعلة، كما طبعت طريق والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وهي المدرسة السياسية التي اعتقدت أن لبنان لا يحكم بالهيمنة بل بالتوازن، ولا يبنى إلا على أساس العيش المشترك والثقة في المؤسسات.
اختيار المكان لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة رمزية مفادها أن المشروع الذي بدأ هناك، يوم احتشد اللبنانيون حول حلم الدولة، لا يزال حياً رغم كل العواصف.
وتأكيده على ضرورة إلغاء الطائفية السياسية يعكس تمسكه بحلم الدولة المدنية الحديثة التي شكلت جوهر مشروع رفيق الحريري.
وفي بلد أنهكته الانقسامات العمودية، وأنهكته الهويات المتعارضة، بدا هذا الاقتراح بمثابة دعوة جريئة للخروج من حدود الطوائف إلى فضاء المواطنة، حيث الكفاءة أولى من الانتماء، ويصبح القانون وحده ضامناً للحقوق. وهذا اقتراح يحمل في طياته الاعتراف بأن الأزمة اللبنانية لم تعد سياسية فحسب، بل بنيوية تمس شكل النظام نفسه.
أما تأكيده على أن لا سلاح إلا بيد الدولة، فقد حمل رسالة سيادية واضحة، لكنه صيغ بلغة هادئة بعيدة عن التحدي أو الاستفزاز، وكأن الحريري يريد أن يقول إن استعادة الدولة لا تتم بالمواجهة المفتوحة، بل بتعزيز الشرعية وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته.
ويعكس هذا التوجه نهج الاعتدال الذي اتسمت به مسيرته السياسية، والذي يقوم على تجنيب لبنان صراعات كبيرة لا يستطيع تحمل نتائجها.
وفي مخاطبته جمهوره، برز البعد الإنساني للخطاب بوضوح ملحوظ.
وتحدث إليهم بلغة أقرب إلى القلب منها إلى السياسة، مستذكرا وفائهم وصبرهم خلال سنوات الغياب والأزمات، مؤكدا أن الاعتدال ليس ضعفا بل شجاعة أخلاقية، وأن الصبر ليس استسلاما بل إيمانا عميقا بأن الأمم لا تبنى باليأس.
وهكذا أعاد الثقافة السياسية الهادئة التي افتقدها اللبنانيون في زمن الانقسامات الحادة، ثقافة تقوم على الحوار بدلاً من القطيعة، وعلى التسويات الوطنية بدلاً من منطق الانقسام والانتصار.
وفي هذا السياق، برزت شخصية سعد الحريري الإنسانية، التي ميزته دائماً عن غيره من الزعماء. وعرف بحبه الصادق للناس، وقربه العفوي منهم، وإخلاصه لأصدقائه ورفاقه في أصعب الظروف، بالإضافة إلى التواضع اللافت في سلوكه العام الذي جعله أقرب إلى المواطن العادي منه إلى صورة الزعيم التقليدي.
وانعكست هذه الصفات في طريقة تواصله مع جمهوره، حيث بدا الاستماع إليهم متبادلاً، قائماً على علاقة عاطفية تجاوزت حدود السياسة إلى فضاء الثقة الشخصية والولاء المتبادل.
ولعل أكثر ما لفت الانتباه في هذه الذكرى هو حجم الحشد الشعبي الذي توافد على ساحة الشهداء، والذي فاق كل السنوات السابقة، حيث برز حضور الشباب بقوة، أي الجيل الجديد الذي لم يعش تجربة رفيق الحريري السياسية بكل تفاصيلها، بل حضر من منطلق الانتماء إلى فكرة الدولة التي أراد ابنه سعد الحريري تجسيدها.
وعكس هذا المشهد انتقال الحرية السياسية من ذاكرة الآباء إلى حماسة الأبناء، وأظهر أن الرهان على وعي الشباب لا يزال قائما، وأن الأجيال الصاعدة قادرة على حمل الشعلة والمشاركة في تشكيل مستقبل البلاد.
كما حمل حديثه إشارات واضحة إلى أسباب ابتعاده السابق عن العمل السياسي، لكنه قدم ذلك كموقف أخلاقي يرفض المساس بكرامة الدولة أو الدخول في تسويات تنتقص من مشروعها، وليس انسحاباً من المسؤولية أو تخلياً عن الدور.
وفي هذا السياق، بدا وكأنه يفتح صفحة جديدة مع جمهوره ومع اللبنانيين عموماً، عنوانها التمسك بنهج رفيق الحريري من دون الغرق في سجالات الماضي أو ترميم الانقسامات التي أنهكت البلد.
وفي الختام، ذكّرنا خطاب سعد الحريري بأن مشروع رفيق الحريري لم يكن مجرد تجربة حكم أو مرحلة سياسية عابرة، بل كان رؤية متكاملة لدولة حديثة مزدهرة منفتحة على العالم، دولة قادرة على احتضان جميع أبنائها دون تمييز.
وبين الحنين إلى زمن إعادة الإعمار والاستقرار، والخوف من مستقبل غامض، قدم الحريري جرعة من الأمل عندما تحدث عن «ضوء في نهاية النفق»، في وقت يحتاج اللبنانيون بشدة إلى من يذكرهم بأن النهضة لا تزال ممكنة، وأن الانهيار ليس قدراً محتوماً.
وهكذا بدا الخطاب أقرب إلى رسالة الطمأنينة الوطنية منه إلى الخطاب السياسي التقليدي. رسالة تقول إن الاعتدال لا يزال خياراً صالحاً لإنقاذ لبنان، وأن الدولة لا تزال هي الحلم الذي يستحق اللبنانيون النضال من أجله، وأن إرث رفيق الحريري لا يزال حياً في ضميرهم، كما في ضمير أمة لم تفقد بعد قدرتها على الحلم.
ديفيد عيسى
#الذكرى #الـ21 #لرفيق #الحريري #تعيد #قيادة #سعد
الذكرى الـ21 لرفيق الحريري تعيد قيادة سعد
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – الذكرى الـ21 لرفيق الحريري تعيد قيادة سعد
المصدر : www.elsharkonline.com
