دستور نيوز
منى فياض
الاثنين 9 فبراير 2026 – 07:53
المصدر: صوت لبنان
أحد مناصري حزب الله يعلن: كلفة الاحتلال أقل من كلفة الاستسلام!! وذلك في وقت سبق أن استسلم الحزب لمصيره عسكرياً، وأعلن أن المستوطنات آمنة لهم، تاركاً الاغتيال لكوادره، ولمحيطه المزيد من القصف والتهجير.
فكيف يمكن تفسير هذا العمى المنتشر؟
لقد أعمته الأيديولوجيا.
الأيديولوجيا بشكل عام هي نظام شامل من المعتقدات والأفكار التي تفسر العالم وتحدد مواقف الأفراد أو الجماعات تجاه هذا العالم، سواء سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا.
إنه نظام يوفر لأتباعه إطارًا منطقيًا يجعل التصرفات والسلوكيات المرتبطة به تبدو “منطقية” أو “مشروعة”. لأنها تعطي معنى لعالم معقد وتضع قواعد لفهمه والعمل فيه. وللأسف يتحول في كثير من الأحيان من أداة تفسير إلى قالب جامد يبرر سلوكا معينا مهما كانت أضراره.
إن الأيديولوجيا لا تنشأ من الفراغ، بل نتيجة لظروف وأزمات وصراعات معينة بين أطراف مختلفة، وتظهر كرد فعل على تلك الصراعات. ظهرت القومية في سياق بناء الدول الحديثة، والشيوعية في سياق الصراع الطبقي خلال الثورة الصناعية.
توفر الأيديولوجيا إجابات واضحة على أسئلة وجودية معقدة (لماذا العالم على هذا النحو؟ ما هي العدالة؟ ما هو الهدف؟)، ومن هنا جاذبيتها.
تتجذر الأيديولوجيا في المجتمع من خلال استغلال المؤسسات الاجتماعية: المدارس، وسائل الإعلام، الأحزاب، وجماعات الضغط. وكلها تلعب دورًا في نشر وتكريس أيديولوجية معينة، وتحويلها من أفكار فردية إلى نظام جماعي واسع. وعندما يمتلك من يتبنونه القدرة على نشره، فإنه يتحول من «أداة تفسير» إلى «أداة سيطرة». ويتقاطع مع المكاسب والأدوار: في أجهزة الدولة، أو الجماعات المسلحة، أو الأنظمة السياسية. ومن ثم تحصل على مبرر لاستخدام القوة (اقتصادية أو سياسية أو حتى أسلحة حقيقية)، ويصعب الانفصال عنها لأنها مرتبطة بالحماية والقوة والبقاء. ويندمج مع الهوية الفردية أو الجماعية، ويصبح جزءًا من الذات: دينيًا أو انتماءً. وهنا لم تعد مجرد فكرة؛ بل تصبح بنية دفاعية نفسية وسياسية.
وبحسب كارل مانهايم، تتحول الأيديولوجيا من فكر حي إلى أيديولوجيا مغلقة عندما “تفقد قدرتها على نقد نفسها، وتتحول من أداة فهم إلى أداة تبرير”. من سؤال مفتوح إلى إجابة نهائية، ومن أداة لفهم الواقع إلى معيار أخلاقي لإدانة الآخرين، ومن رؤية تاريخية إلى حقيقة أبدية غير قابلة للتفاوض.
كيف تشكلت أيديولوجية حزب الله؟
إذا أردنا أن نستعرض تجربة حزب الله من دون انفعال، علينا أن نعترف بأن الظروف ساعدت على ظهوره، وأنه لم يأت من العدم. في الثمانينيات، وفي ظل الاحتلال الإسرائيلي وغياب الدولة اللبنانية والتمييز التاريخي ضد الشيعة، تشكلت بيئة حقيقية تبلورت الشعور بالحرمان والخطر الوجودي.
في هذه المرحلة: لم تكن فكرة المقاومة أيديولوجيا منغلقة، بل فكرة واقعية. وكان يُنظر إلى الأسلحة كوسيلة للدفاع، وليس كهوية سياسية. فالانتماء إلى الحزب كان أقرب إلى “خيار مقاومة” وليس التزاماً أيديولوجياً شاملاً.
لقد بدأت لحظة التحول الجذري من المقاومة إلى الأيديولوجيا الكاملة، عندما انتقلت المقاومة من حالة الاستثناء التاريخي إلى نموذج دائم للحكم والشرعية. وبعد دمج البعد الديني (ولاية الفقيه) مع البعد العسكري والسياسي، لم يعد السلاح وسيلة، بل أصبح جوهر الهوية ويشمل القداسة.
وهنا بالضبط بدأت مرحلة ما يسمى “تجميد الأفكار”. مما يعني أن الفكرة لم تعد عرضة للنقد من الداخل. ويتم تفسير أي مساءلة على أنها تهديد وجودي.
فالشرعية لم تعد تستمد من النتائج أو المصلحة العامة، بل من «التاريخ» و«الدم» و«القداسة» و«العقيدة».
واختلط الولاء للحزب بالولاء لنص أيديولوجي مستورد. لقد تم تحنيط الأيديولوجيا بالسلاح. من يملك السلاح لا يحتاج إلى إقناع أحد.
وهنا تحدث المفارقة الكبرى:
إن الأيديولوجية التي نشأت بحجة حماية المجتمع تتحول إلى بنية تخيف المجتمع. فالمناقشة داخل البيئة نفسها ممنوعة، والمراجعة الفكرية ممنوعة، وحتى الاعتراف بالأخطاء يعتبر خيانة.
وهكذا تنتقل الأيديولوجيا من أداة للمقاومة إلى نظام مغلق.
التراجع يصبح مستحيلاً، لأنه لا يعني تغيير الرأي فحسب، بل: فقدان الهوية الجماعية، وفقدان الحماية، وكسر شبكة المصالح. ويعني الاعتراف بأن التضحيات الطويلة بنيت على رواية كاذبة. وهذا أمر قاس للغاية نفسيا وسياسيا. التراجع ليس “خيارًا فكريًا”، بل انهيارًا للمعنى.
فهل يمكن كسر هذا الجمود؟
وليس بالشعارات أو الضغط الأخلاقي. تقول التجربة التاريخية أن الانفراج يحدث عندما تلتقي ثلاثة عناصر:
التغير في البيئة الإقليمية يقلل من وظيفة السلاح.
– كشف التناقض بين الخطاب والواقع المعيشي للناس.
ظهور بديل وطني مقنع لا يشعر الجمهور بالتهديد أو الإذلال.
وبدون هذه العناصر، يظل أي خطاب نقدي صوتًا أخلاقيًا معزولًا.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#حزب #الله #والفكر #القاتل. #عندما #يتجمد #الفكر #ويصبح #سجنا #صوت #لبنان #صوت #لبنان
حزب الله والفكر القاتل.. عندما يتجمد الفكر ويصبح سجنا – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – حزب الله والفكر القاتل.. عندما يتجمد الفكر ويصبح سجنا – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
