دستور نيوز
انطوان العويط
الأحد 8 فبراير 2026 – 10:04
المصدر: صوت لبنان
لقد كان لبنان، عبر تاريخه الطويل، ملجأ لمختلف الأقليات التي فرت من الاضطهاد ووجدت في أرضه ملجأً ومساحة للأمان والحرية في كيانه. الميثاق الأول والأساس الذي جمع هؤلاء الناس كان العيش على المبادئ والقيم التي ميزت جبل لبنان التاريخي وشعبه، مبادئ كتبت في الوجدان قبل أن تُكتب في الدساتير، وانتقلت من الجبل إلى المدن والساحل، كأسلوب حياة ورسالة إنسانية سبقت قيام الدولة، وتغلبت على السياسة بمفهومها الحديث.
لكن الفئات اللبنانية التي تأرجحت في تاريخها بين التعايش والتناحر، لم تنجح، حتى اليوم، في الارتقاء إلى مرتبة المواطنة الشاملة التي تحتضن التعددية، بعد أن فشلت في تقديس الأرض التي آواتها وأعطتها الأمان، وأهملت القيم المشتركة التي تشكل جوهر العقد الاجتماعي في وطن نهائي يفترض أن يكون مكان وفاء ومسؤولية وليس ساحة صراع وصراع.
وسقطت عصا الحكام مثل سياط المستعمرين والمحتلين على رقاب هذه الجماعات. وتقاطعت عليها مصالح القوى الإقليمية والدولية. واستنزفت طاقاتهم، واستنزف نسيجهم الاجتماعي، ونجحت الفتنة في شق صفوفهم وتعميق انقساماتهم. وهكذا يجد اللبنانيون أنفسهم اليوم أسرى تاريخ مثقل بالتحديات وخيبات الأمل، غير قادرين على الخروج من أزمتهم المدمرة وإدارة أبسط شؤون حياتهم، ومهملون في إدارة شؤونهم الوطنية العامة، وفي تحييد أنفسهم ووطنهم مباشرة، ضمن التنوع والتعددية، عن صراعات المنطقة المتفجرة، وعن الشروع جديا في إعادة بناء الدولة العادلة ذات السيادة التي تتسع للجميع. أطفالها.
والحقيقة المرة أننا، كمواطنين، انزلقنا إلى حالة عميقة من التردي والانحطاط، نتيجة سقوط روحي ومعنوي ومعنوي وعاطفي ووطني مروع، غذته أيادي الوصاية والتبعية، وأدامته لحظات الانتهازية والتلون وتغير الولاءات، حتى تآكل المعنى، وفقد التوازن، وتشوهت البوصلة. ومن هنا يتخبط اللبنانيون في ظلام دامس، وينزلقون في انزلاقات خطيرة تهدد ما تبقى من كيانهم المشترك ورسالتهم الإنسانية العالمية.
إن الضعف البشري، عندما لا تسيطر عليه الدوافع الأخلاقية والروحية، يكون له تأثيره المدمر على النفوس. وكلما بدا بعضهم يقترب من بعضهم البعض دون تعميم، تسلل الانقسام إلى مجموعتهم، وانقسموا مرة أخرى إلى جماعات وطوائف. وها هي شياطين الثروة والكراسي وأوهام المجد تغريهم من جديد بولاءاتهم في الخارج، وتغلق في وجوههم أبواب الخلاص، وتبعدهم أكثر فأكثر عن المعنى الوطني العميق لفكرة لبنان رسالة ومسؤولية قبل أن يكون كياناً وحدوداً.
والأكثر إيلاما هو أن قوة الدنيوية ومكانتها في قلوب معظم الفئات اللبنانية لم تتراجع، لا بعد انتهاء الوصاية السورية، ولا حتى مع اهتزاز المحور الإيراني وتداعياته. بل تسلل الغطرسة إلى السياسة، ورافقها الإنكار ودفن الرؤوس في الرمال، فيما أغرى الطمع بعض أهلها، دون تعميم أيضا، بالانقلاب على المواثيق والمواثيق التاريخية، أو محاولة الركوب عليها والتحايل عليها وتشويه معانيها، فانهار البناء من الداخل قبل أن يتم استهدافه من الخارج. وهنا يطرح السؤال الوجودي الكبير: ماذا بقي من الجمهورية؟ ماذا بقي من الوطن؟
أطرح هذا السؤال بمناسبة احتفال الموارنة بعيد شفيعهم مارون، مع أقرانهم اللبنانيين، مستلهمين خطى الأجداد الذين ظلوا صامدين في وجه التحديات، وعرفوا كيف يخرجون منها أكثر ثباتا في إيمانهم، وثابتين في الدفاع عن معتقداتهم وخصوصياتهم، وواثقين، رغم الشدائد، من مستقبلهم ودورهم في هذا الوطن.
أطرح هذا السؤال لأن الانتقال من حالة التفكك والاقتتال هو بمثابة انتقال من الموت إلى الحياة، وهذه مسؤولية تاريخية ملقاة على عاتق الفئات اللبنانية، وعلى الموارنة بشكل خاص. يقف اللبنانيون اليوم في قلب الألم اللبناني، ومعهم الموارنة، إضافة، في قلب الألم المسيحي الكبير، ألم الجلجثة، بكل ما يحمله من معنى الألم والرجاء. ولعلهم يواجهون التحدي الأخطر في تاريخهم كشعب، وفي تاريخ الجماعات المسيحية الشرقية على حد سواء. إنه تحدي الوجود نفسه. لكن اليقين الأكيد هو أن الأمور لن تستقيم، ولن تلتئم الجراح، إلا إذا عادت المبادرة، بإعادة السياسة إلى معانيها الأسمى باعتبارها فناً مشرفاً في خدمة الإنسانية، وحفظ الكرامة، وتحقيق الصالح العام.
ولن تكون هناك كلمات أبلغ في الإشارة إلى سبل الخروج من الأزمة الحالية من العودة الصادقة إلى المصلحة الوطنية العليا، على أسس الميثاق والدستور. وفي لبنان، إما أن تحققه الفئات اللبنانية مجتمعة، أو لا تفعل، ومن دون جلد الذات أو التكبر على الأخطاء، بل مصالحة شجاعة مع الحقيقة، وإعادة ترتيب الضمير قبل إعادة بناء الدور.
بالنسبة للموارنة، لا شيء يمكن أن يكبح اتساع أي تجوال دنيوي وتأثيره المدمر على النفوس، إلا استعادة البعد الروحي العميق الذي شكّل ذات يوم منبع ومعنى الكيان: روح قنوبين.
وعلى الفئات اللبنانية الأخرى، بالتأكيد وبالتأكيد، واجب تصحيح البوصلة وإحداث نقلة جذرية في المفاهيم والأساليب: من منطق الهيمنة إلى ثقافة الشراكة الوطنية الشاملة، ومن ثقافة التعصب إلى أخلاقيات المواطنة، ومن منطق القوة إلى منطق الشرعية.
لكن على الموارنة من جهتهم، وانطلاقاً من خطهم التاريخي والتأسيسي ومسؤوليتهم تجاه الكيان اللبناني، وقبل كل أقرانهم في المواطنة، أن يعلنوا العودة إلى الينابيع الأولى، إلى قنوبين، لا كمزار مقدس، بل كميثاق تطهير وتوبة، يتحررون من خلاله من أخطائهم وخطاياهم، في الدين والعالم معاً.
وعليهم أن يتتبعوا خطوات مارون، ويهتدوا بها، ويسيروا على خطى تلاميذه ورسله وشهوده وشهدائه. وعليهم أن يكرمون قديسهم مارون، لا أن يتراجعوا إلى الماضي، بل ليكونوا شهوده ورسله في لبنان والشرق والعالم، حاملين رسالة الإيمان والحرية والمسؤولية الإنسانية إلى زمان وأمة في أمس الحاجة إليها.
ودورهم هو الثورة، أولاً، على أنفسهم، ثم على كراسيهم ومؤسساتهم، وعلى واقعهم الديني والسياسي والمجتمعي، ثورة مراجعة وتطهير وتجديد. وليعلنوا عودتهم إلى الينابيع الأولى، إلى وادي القديسين، لا لقذف الرماد، بل لاستخراج المعنى، ليستعيدوا كرامة قديسهم مارون الذي ترك وحيداً في ظلمات العالم الخارجي، ويستعيدوا معه لبنان الرسالة والإنسان.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#لبنان #والموارنة #من #التيه #إلى #استعادة #الروح #والوطن #صوت #لبنان #صوت #لبنان
لبنان والموارنة من التيه إلى استعادة الروح والوطن – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – لبنان والموارنة من التيه إلى استعادة الروح والوطن – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
