دستور نيوز
بقلم الدكتور ابراهيم العرب
في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يطرح السؤال الجوهري من جديد بإلحاح: ماذا خسر لبنان باغتيال هذا الرجل، وماذا يحتاج اليوم لاستعادة جزء من روحه التي فقدها منذ ذلك الزلزال السياسي الكبير؟ لم يكن رفيق الحريري مجرد رئيس حكومة في مرحلة عادية من تاريخ البلاد، بل كان مشروع دولة متكاملة ورؤية وطنية شاملة عابرة للطوائف والمناطق، سعت إلى نقل لبنان من مرحلة ما بعد الحرب إلى أفق إعادة الإعمار والاستقرار والانفتاح العربي والدولي.
في 14 شباط (فبراير) 2005، لم يتم اغتيال رجل فحسب، بل تم استهداف مقاربة كاملة تقوم على اتفاق الطائف وبناء مؤسسات الدولة وتعزيز دولة القانون وتعزيز مكانة لبنان في محيطه العربي وعلى الساحة الدولية. وكان اغتياله نقطة تحول أنهت مرحلة سياسية برمتها، وأدخلت البلاد في دوامة من الانقسامات الحادة والاضطرابات المتلاحقة، التي لا تزال تداعياتها حاضرة حتى اليوم في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
لقد خلق رحيل الرئيس الشهيد فراغا وطنيا عميقا، بعد أن أعاد إعمار بيروت، وأطلق نهضة اقتصادية غير مسبوقة، وفتح أبواب العالم أمام لبنان، انطلاقا من شبكة واسعة من العلاقات العربية والدولية، وعلى قناعة راسخة بأن هذا البلد الصغير قادر، إذا امتلك القيادة والرؤية، على استعادة دوره الاقتصادي والثقافي والمالي في المنطقة. ولذلك فإن اغتياله لم يكن حدثاً عابراً، بل زلزال سياسي غيّر مسار البلاد وأفقدها توازنها.
وتأتي الذكرى الحادية والعشرون هذا العام محملة بدلالات سياسية استثنائية، مع زيارة الرئيس سعد الحريري إلى بيروت ومشاركته في إحياء المناسبة قرب مزار والده الشهيد. وهذه العودة، بتوقيتها وسياقها، ستعيد إحياء المياه الراكدة في المشهد السياسي، وتوقظ آمال شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يشعرون أن بلدهم، في ظل الانهيار الشامل، يفتقر إلى قيادة وطنية شاملة قادرة على الإمساك بالبوصلة.
لن يكون حضور سعد الحريري إلى بيروت في هذه اللحظة بالذات تفصيلا بروتوكوليا، بل حدثا سياسيا بامتياز، في وقت يعيش فيه البلد أخطر أزماته الاقتصادية والمالية والاجتماعية، والدولة شبه مشلولة، والمؤسسات في حالة تآكل، والخدمات الأساسية تتدهور، والقرار السياسي المتوازن غائب أو مشتت. في ظل هذا الواقع، يبرز الحنين إلى فترة كان فيها للبنان قيادة قادرة على التواصل داخليا وخارجيا، وإدارة التوازنات الدقيقة التي قام عليها النظام اللبناني.
كما أن الحراك الشعبي المرتقب لإحياء ذكرى 14 شباط/فبراير هذا العام، والذي يقال إنه الأكبر منذ سنوات، يحمل رسالة سياسية واضحة: رغم التراجع ورغم الغياب عن العمل السياسي المباشر، إلا أن سعد الحريري لا يزال يمثل شخصية شعبية قوية، ولا يزال تيار المستقبل حاضرا في الضمير السياسي لشريحة واسعة من اللبنانيين، وقادر على التعبئة والتعبئة متى تم اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
من هنا، تتجه الأنظار إلى الخطاب المرتقب الذي سيلقيه الرئيس سعد الحريري، والذي من المتوقع أن يكون خطاباً عاطفياً وسياسياً في الوقت نفسه، وأن يشكل بوصلة للمرحلة المقبلة، لا سيما فيما يتعلق بالانتخابات النيابية واستئناف العمل السياسي. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن خطاب هذا العام سيكون أكثر وضوحاً وتقدماً من سابقه، ويحمل رسائل متعددة إلى جمهوره، وإلى معارضيه، وإلى الداخل اللبناني عموماً، في ظل فراغ قيادي تعيشه الساحة السنية والوطنية على حد سواء.
لبنان اليوم، في ظل الانهيار الاقتصادي غير المسبوق وتفكك المؤسسات وهجرة الشباب وفقدان الأمل بالمستقبل، يحتاج إلى قيادة قادرة على إعادة بناء الثقة داخليا وخارجيا. يشكل سعد الحريري، بما يمثله امتداداً لنهج والده الشهيد، نهج الاعتدال والانفتاح والتمسك بمشروع الدولة، وما يمتلكه من شبكة علاقات عربية ودولية واسعة، وقاعدة شعبية كبيرة، عنصراً ضرورياً من التوازن في مشهد سياسي ممزق بالأزمات ومنقسم.
ولا يمكن فصل الدعوة إلى عودته عن الواقع الميداني داخل تيار المستقبل، إذ تشير الوقائع إلى جاهزية تنظيمية وسياسية كاملة بانتظار القرار الحاسم. ورغم توقف العمل السياسي رسمياً منذ سنوات، إلا أن البنية التنظيمية للحراك لم تتفكك، وبقيت القاعدة الشعبية متماسكة وفية لنهجها الوطني المعتدل، الرافضة للمحاور المناطقية الضيقة والمشاريع الطائفية المدمرة، ومؤمنة بالدولة ومؤسساتها كخيار وحيد للخلاص.
إن إحياء ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ليس مناسبة عاطفية فحسب، بل عمل سياسي بامتياز، يحمل رسائل واضحة في أكثر من اتجاه: الولاء للرجل الذي أعاد بناء لبنان بعد الحرب، والتأكيد على استمرار النهج الذي جسده، نهج الدولة والمؤسسات والحوار والتسوية السياسية. كما تشكل المشاركة الشعبية الواسعة رسالة مباشرة لسعد الحريري بأن الوطن بحاجة إليه، وأن العودة عن قرار العزل لم تعد خياراً شخصياً، بل مسؤولية وطنية في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد.
في 14 شباط/فبراير، لا يتذكر اللبنانيون اغتيال الرجل فحسب، بل يجددون أيضاً التزامهم بمشروع وطني آمنوا به، وبقدرة هذا التوجه على إنقاذ البلد من أزماته المتراكمة. الكلمة التي سيلقيها سعد الحريري ستكون نقطة تحول في تحديد ملامح واستحقاقات المرحلة المقبلة، ونحن نشجعه على اتخاذ قرار العودة الكاملة إلى العمل السياسي، لأن لبنان، في هذه المرحلة الدقيقة والخطرة، يحتاج إلى قيادة شاملة تعيد الأمل، وتفتح الأبواب أمام الحلول الممكنة، وتعيد ربط ما انقطع بين الدولة ومواطنيها، وبين لبنان ومحيطه العربي والدولي.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نقول: رحم الله الرئيس الشهيد رفيق الحريري وصديقه الشهيد يحيى العرب ورفاقهم الكرام، وأسكنهم فسيح جناته، ووفق الرئيس سعد الحريري لاتخاذ القرار الصحيح والشجاع الذي يصب في خير لبنان وشعبه ومستقبله. ليكن 14 شباط كما كان دائماً: يوم الوحدة الوطنية، ويوم تجديد العهد مع لبنان الدولة، لبنان الحرية، ولبنان المستقبل.
د. ابراهيم العرب
#فبراير #لبنان #ينتظر #قرار #سعد #الحريري. #والبلد #بحاجة #لعودته
14 فبراير: لبنان ينتظر قرار سعد الحريري.. والبلد بحاجة لعودته
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – 14 فبراير: لبنان ينتظر قرار سعد الحريري.. والبلد بحاجة لعودته
المصدر : www.elsharkonline.com
